تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ... (36)﴾

(لكل أمة رسول منها إليها)

إنه جاء في القرآن أن لكل أمة رسول منها. وهذا يناقض الكتاب المقدس في أن الأنبياء والرسل هم من بني إسرائيل وإليهم وإلى كل العالم. فإذا صدق ما في القرآن فكيف لم يخرج للأمم في إفريقيا وأوروبا وأمريكا واستراليا وآسيا: أنبياء منهم وإليهم؟ ولو كان لهذه الأمم أنبياء - منها وإليها - لجاز أن يكون للعرب رسول منهم.

الرد على الشبهة:

إن كلمة الرسول تأتي على الحقيقة وتأتي على المجاز. فعيسى - عليه السلام - رسول على الحقيقة. وإذا هو أرسل واحداً من الحواريين إلى قرية من القرى فإنه يكون رسول رسول الله عيسى على المجاز. ففي إنجيل متى: " هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم يسوع وأوصاهم قائلاً: " إلى طريق أمم لا تمضوا .. " [متى 10: 5].

وابتداء الدعوة إلى الله كان في زمن أنوش بن شعيث بن آدم؛ لقوله: " حينئذ ابتُدئ أن يُدعى باسم الرب " [تك 4: 26] وظل الحال على هذه الدعوة التي كانت دعوة إلى مكارم الأخلاق وعدم سفك الدماء ظلماً إلى زمان نوح - عليه السلام - ولم يكن من المطعومات شيء محرم فلما خرج نوح من السفينة أعطاه الله شريعة فيها أن كل الطعام حلال، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه هو لنفسه، وليس فيها شريعة تبين أن هذا حلال وهذا حرام. ففي الإصحاح التاسع من سفر التكوين: " كل دابة حية تكون لكم طعاماً. كالعشب الأخضر دفعت إليكم الجميع .. " وظلت شريعة نوح سائدة على العالم إلى أن جاء موسى - عليه السلام - وأعطاه الله التوراة (موعظة وتفصيلاً لكل شيء) وأمره أن يخصص سِبط لاوِى من بين الأسباط ليعرفها ويعرّفها للناس.

وهذا الذي ذكرته هو ما يقول به أهل الكتاب جميعاً، ونص عليه أهل الكتاب في كتبهم. وعنه في القرآن الكريم: (كل الطعام كان حلاً لبنى إسرائيل) وهو حلال من أيام نوح - عليه السلام - وعلى ذلك نسأل المؤلف هذا السؤال وهو أن الناس من آدم أبي البشر إلى موسى الكليم كانت رسلهم من بني إسرائيل أم من غير بني إسرائيل؟ إن قلت إن رسلهم كانت من بني إسرائيل يكذبك الواقع والكتب التي تقدسها، وإن قلت كانت من غير بني إسرائيل فلماذا وجهت السؤال إلى المسلمين؟

أما من موسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فإن علماء بني إسرائيل من اللاويين والهارونيين كانوا يبلغون التوراة لليهود وللأمم، وإذا انطلق واحد منهم إلى الأمم؛ فإنه يكون رسولاً إلى الأمم. ليس على الحقيقة، وإنما على المجاز بمعنى أنه رسول رسول الله موسى - عليه السلام - وظلوا على هذا الحال إلى زمان سبى بابل سنة 586 ق. م فإنهم وهم في بابل حرفوا التوراة، وقصروا شريعة موسى على اليهود من دون الناس، وابتعدوا عن دعوة الأمم، وتعصبوا لجنسهم وتآمروا على الأمم (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل).

ومن قبل سبى بابل كان علماؤهم يدعون العرب إلى الله على وفق شريعة موسى. فيكون العالم الداعي رسولاً مجازاً. وهكذا في سائر بلاد العالم. أما من بعد السبى وتخلى العلماء عن الدعوة فإن كل أمة سارت على ما عندها من العلم. وقد وبخهم المسيح عيسى - عليه السلام - على إهمالهم في دعوة الأمم بقوله: " لكن ويل لكم أيها الكتبة والفَرِّيسِيُّون المراءون؛ لأنكم تُغلقون ملكوت السماوات قدام الناس؛ فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون " [متى 23: 13].

ثم حث أتباعه بالانطلاق إلى بلاد اليهود أولاً بأمرين هما أن يعملوا بالتوراة، وأن يستعدوا لتركها إذا ما ظهر محمد رسول الله الذي يبشر به. وإذا فرغوا من دعوة اليهود في بلادهم ينطلقون إلى الأمم، وسماهم رسلاً مجازاً. فقال: " إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالحرىّ إلى حُراف بيت إسرائيل الضالة. وفيما أنتم ذاهبون، اكْرِزوا قائلين: " إنه قد اقترب ملكوت السماوات " [متى 10: 5]. وملكوت السماوات هي مجيء محمد صلى الله عليه وسلم بعد مملكة الروم كما أنبأ النبي دانيال في الإصحاح السابع من سفره.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور) · الصفحة ١٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فوائد منتقاة من (شبهات المشككين) (مرتبا بالآيات والسور)ص ١٦٦