تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لماذا تُفسد في الأرض؟ فهي تحذير لنا أن لا نقبل من القول إلاّ ما احتفت به الأدلّة، وأن نحذر الحوار فيما لا يمكن البحث في حقيقته.

ولماذا يحلف بالله على صدق ما في قلبه وحسن نيّته؟! وهل ثمّة أحد سأله عن هذا؟

أهو تطبيقٌ للمثل القائل: يكاد المجرم أن يقول خذوني؟

أم هي قاعدة: لا بدّ للمجرم أن يعود إلى مكان جريمته؟

أم هو هاجس الكذب وقلقه على النفس، فيبقيه شاعراً بمعرفة كلّ الناس له مع استحضار عاقبة الخيبة والخسران؟

إنّ هذه الآيات بمقدار ما تفضح الأيمان الكاذبة، بمقدار ما تنفّرك وتقزّزك من هذا السمت والنمط، فهي تبيّن أن جريمته الأولى ليست خصومتهم مع المسلمين، وإنّما هي جريمة أخرى تسبق ذلك، إنّها جريمةٌ تقع منهم تجاه ربّهم وخالقهم، فانظر إلى استهتارهم بنظر الله إليهم، وبهوان مراقبة الله لقلوبهم، فهم يحلفون بالله ويشهدونه عما في قلوبهم دون خجل أو حياء، أفمثل هؤلاء الذين لا يُقيمون رأساً لنظر الله إليهم يمكن أن يطمع المرء العاقل أن يقيموا رأساًلنظر الناس إليهم؟!

والآية لا تبيّن لنا ماذا يشهد هذا المنافقُ ربَه على ما قلبه، بل تركها الربّ لنا مفتوحة لأنّ هذا الترك هو قمّة الامتلاء، فإنّ هناك العديد والآلاف من الصور التي يمكن للمرء أن يملأها من واقعه، فهي دعوة لنا أن نملأها بالصور التي نراها وتعيش بيننا.

فإذاً هو: ﴿يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ [+] ﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾.

هذا هو شقّ المعادلة الأوّل.

لكن ما هي حقيقة هذا المدّعي؟ وأيّ صنفٍ من الناس هو؟ هذا ما أراد القرآن بيانه.

وممّا يستوقفك هنا؛ أنّ هذه المقدّمة تجعلك تسير سيراً حسناً مع الموصوف وكأنّك في راحةٍ من حاله ووضعه، فقوله حسن تَعْجب له، وأيمانه مُغلَّظة أنّه صادقٌ محسن، ولكن ما يأتي يجابهك بصدمة تعادل صدمتك بما تراه من واقع الموصوف، وهي صفة لازمة لهذا القرآن العزيز أنّ مراد الربّ في كلامه معروض مع حركة الكلام الإلهي.

فههنا مقدّمة تريحك وتبعث في نفسك الراحة والاطمئنان، ولكنّها تريحك لتكون الصدمة القادمة والعاصفة الآتية أكثر تأثيراً على نفسك.

النفاق والمنافقون مسائل وأحكام · الصفحة ٢٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

النفاق والمنافقون مسائل وأحكامص ٢٠