تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال تعالى ـ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ﴾ [الحجرات: 17].

وفي الحديث القدسي قال الله ـ تعالى ـ: (يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته؛ فاستهدوني أهدكم)(4).

ومن عجائب آي الذكر الحكيم: ما ورد في مطلع سورة المدثر، فعندما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنذارة بادئ الأمر، وُضِّح له طبيعة الطريق، فقال ـ عز وجل ـ: ﴿وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6].

إنها وصية واضحة لا غموض فيها، تجرد العبد من استعلائه وإدلاله على ربه؛ تملأ القلب مهابة وإجلالاً لله ـ عز وجل ـ صاحب الفضل والمنَّة.

ومن لطائف هذا الباب أنَّ عمر بن الخطاب گ حينما طُعن وجعل يألم، قال له عبد الله بن عباس مواسياً: «يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك، لقد صحبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم فارقته وهو عنك راض، ثم صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنهم وهم عنك راضون».. وبعد هذا الثناء العظيم على أمير المؤمنين ي؛ تأمّل جوابه عندما قال لابن عباس: «أمّا ما ذكرت من صحبة رسول -صلى الله عليه وسلم- ورضاه: فإنما ذلك منٌّ من الله ـ تعالى ـ عليَّ، وأمّا ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه: فإنما ذاك منٌّ من الله ـ جل ذكره ـ منَّ به عليَّ، وأمّا ما ترى من جزعي: فهو من أجلك وأجل أصحابك، والله! لو أنَّ لي طلاع الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله ـ عز وجل ـ قبل أن أراه»(5).

الرابع: أنَّ العبد لا يأمن على نفسه الفتنة:

فقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء)(6).

فالعبد ـ مهما بلغت منزلته ـ لا يأمن على نفسه الفتنة، ويخشى أن تجرفه رياح الأهواء والفتن، ولهذا كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم مصرف القلوب صرِّف قلوبنا على طاعتك)(7).

فإمام المتقين يتضرع إلى الله ـ عز وجل ـ بهذا الدعاء افتقاراً إلى الله تعالى، فكيف بنا ونحن الفقراء المحاويج..؟!

ومن كان لا يأمن على نفسه رأيته أشد وجلاً على نفسه، وأشد انكساراً بين يدي مولاه العظيم ـ سبحانه وتعالى ـ.

البحوث التربوية في مجلة البيان · الصفحة ٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البحوث التربوية في مجلة البيانص ٩٨