الغضب على ثلاثة أقوال وهي ثلاثة أوجه في مذهب أحمد: أحدها: لا يصح ولا ينفذ؛ لأن النهي يقتضي الفساد. والثاني: ينفذ. والثالث: إن عرض له الغضب بعد فهم الحكم نفذ حكمه، وإن عرض له قبل ذلك لم ينفذ» ا. هـ(6) وقال معللاً المنع: «إنما كان ذلك؛ لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد» ا. هـ(7). لهذا كان من وصية أمير المؤمنين عمر لأبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنهما ـ في القضاء: «وإياك والغضب والقلق والضجر»(8).
* صور من هدي السلف عند الغضب:
سب رجلٌ ابنَ عباس ـ رضي الله عنهما ـ فلما فرغ قال: يا عكرمُ! هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى(9).
وقال أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ لغلامه: لِمَ أرسلتَ الشاةَ على علف الفرس؟ قال: أردت أن أغيظك. قال: لأجمعن مع الغيظ أجراً: أنت حر لوجه الله تعالى(10).
وأسمعَ رجلٌ أبا الدرداء ـ رضي الله عنه ـ كلاماً، فقال: يا هذا! لا تغرقن في سبنا ودع للصلح موضعاً؛ فإنَّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
قال الأحنف بن قيس ـ رحمه الله تعالى ـ لابنه: يا بنيَّ! إذا أردت أن تواخي رجلاً فأغضبه؛ فإن أنصفك وإلا فاحذره(11).
وأختم بما رواه عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم: لقد خففت أو أوجزت الصلاة، فقال: أما على ذلك؛ فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فلما قام تبعه رجل من القوم هو أُبَيٌّ غيرَ أنه كنى عن نفسه، فسأله عن الدعاء، ثم جاء فأخبر به القوم: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمتَ الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمتَ الوفاة خيراً لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين»(12).
والله ـ تعالى ـ أعلم، وصلى الله وسلم وزاد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(*) قاضي بالمحكمة العامة بمحافظة رماح.
(1) إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان 49.
(2) قرى الضيف 4/224 يتيمة الدهر 4/224.