تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عماد : وهل ثمَّة فرق بينهما ؟ محب : التفريق بينهما ظاهر وجلي وقد ذكره جملة من العلماء ؛ فالاستغاثة الجائزة هي الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه من الأمور الحسية في قتال أو دفع ضرر ، أما الاستغاثة الممنوعة فهي محصورة بالاستغاثة بالغائب من الشدائد كالمرض وخوف الغرق وهي الحالة التي كنت بها قبل قليل .

وهنا تحرك محب وعماد إلى ركن قصي من السفينة وجلسا على مقعدين متقابلين .

عماد : لكن ألسنا نستعين بالإنسان الحي ؟ وهكذا روح الولي الميت ، هي كالسيف المسلول من غِمده ، فهو أكثرُ قدرةً على الإعانة ، وهؤلاء الأولياء ذوو قدرة كبيرة على التصرف .

المحب : أخبرني من الذي أنبأك أن روح الولي كالسيف المسلول ؟ ما سند هذا القول من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم المتوفَّى نصلي ونسلم عليه كلما ذكرناه أو زرنا قبرَه ، أما أن ندعُوه فهو مخالفةٌ صريحة للشرع ؛ إذ ما الفرق بيننا وبين النصارى الذين يدعون نبيَّ الله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام من أجل نصرهم ؟ ليس لهذا معنىً سوى اتِّباع سبيل هؤلاء .

أما ما ذكرته بأن الولي إذا مات صار أكثرَ قدرةً على التصرف والإعانة فليس عليه دليل ؛ لأن الله عالم الغيب والشهادة قد بيّن لنا في كتابه الكريم بطلان ذلك ، فقال : ] اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى [ ( الزمر : 42 ) فهذه الآية تدل على أن الله يُمسك الأرواح في مكان ما في البرزخ . أما عن الموتى ، فقال تعالى : ] وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القُبُورِ [ ( فاطر : 22 ) . وهذا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يقول في الآخرة كما قال الله عنه : ] وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ ( المائدة : 117 ) . فإذا كان رسولُ الله المسيحُ عيسى بنُ مريم عليه السلام نفسُه لا علمَ له بما أَحدَثَت أمتُه من بعده ، فكيف يُقبل أن تكون روح الولي كالسيف المسلول من غِمده ] وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [ ( الأحقاف : 5 ) .

بدا الإنصات الكامل على عماد ؛ فها هو يسمع كلاماً شافياً من القرآن العظيم ، أنصت طويلاً وسكن سكوناً تاماً وهو يتأمل هذه الآيات الكريمات ، وكيف لم تستوقفه أثناء تلاوته القرآن التي هو حريص عليها كل الحرص .

عاد ( محب ) بمقعده إلى الوراء قليلاً وقال ملاطفاً ( عماداً ) ومحترماً سكونه : دعني أطلب لك شاياً تجدد به نشاطك .

البحوث التربوية في مجلة البيان · الصفحة ٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

البحوث التربوية في مجلة البيانص ٤٩