ومن الأساليب أيضاً العتاب الرقيق؛ فقد قال أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت: والله لا أذهب ـ وفي نفسي أن أذهب لما أمرني نبي الله -صلى الله عليه وسلم- ـ قال: فخرجت حتى أمرَّ على الصبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قابض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك، قلت: نعم! أنا أذهب يا رسول الله(5).
ولا يشك مؤمن ما للدعاء من أهمية في صلاح الصغار، وهو ما كان يوصي به المصلحون أولياء الصغار؛ فقد شكا أحدهم ابنه إلى طلحة بن مصرف فقال: استعن عليه بهذه الآية: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف: 15]»(6).
والضرب وسيلة تقويم وقبلها وسائل، وقد ورد الأمر بتعليق العصا في البيت(7).
وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت في أدب اليتيم: إني لأضرب اليتيم حتى ينبسط(8)، أي يعتدل. وقال الإمام أحمد: اليتيم يؤدب ويضرب ضرباً خفيفاً(9).
وكان عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ يكتب للأمصار: لا يقرن المعلم فوق ثلاث؛ فإنها مخافة للغلام(10)، ـ يعني لا يجمع ثلاث ضربات. وسئل الإمام أحمد عن ضرب المعلم الصبيان، فقال: على قدر ذنوبهم، ويتوقى بجهده الضرب، وإن كان صغيراً لا يعقل فلا يضربه(11).
وليعلم أن الأمور لا تؤتى غلاباً كما قال الشاعر، وإنما التدرج مطلوب في التقويم؛ فقد نقل الحافظ عن سعيد بن جبير الحث على التدرج في أخذ الطفل بالجد(12)، وهذا يتمشى مع الحكمة التي جاءت بها الشريعة، وطبيعة النفس الإنسانية التي تستثقل أخذها بالعزيمة بلا تدرج.
? الإنكار عليهم:
جاءت النصوص بالأمر بالإنكار على الصغار إن ارتكبوا محرماً؛ فعن عمر بن أبي سلمة، قال: كنت في حِجْر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي: «يا غلام! سمِّ الله وكُلْ بيمينك وكل مما يليك»(13).
وقال سنان بن سلمة: كنت في غلمة بالمدينة نلتقط البلح، فأبصرنا عمر وسعى الغلمان وقمت، فقلت: يا أمير المؤمنين! إنما هو ما ألقت الريح. قال: أرني أنظر. فلما أريته قال: انطلق. قال: قلت: يا أمير المؤمنين! ولِّ هؤلاء الغلمان! إنك لو تواريت انتزعوا ما معي. قال: فمشى معي حتى بلغت مأمني(14).
ودخل أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ مرة المسجد يوم الجمعة، فوجد غلاماً، فقال له: يا غلام! اذهب العب! قال: إنما جئت إلى المسجد. قال له: يا غلام! اذهب العب! قال: إنما جئت إلى المسجد.