وهؤلاء لا يحاسبون على ما اقترفوه من الذنوب التي هي دون الكفر والشرك. كما قال تعالى ﴿وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (القصص 78). فإن جريمة الشرك وتكذيب الرسل من أعظم الذنوب، والعقوبة عليهما أشد أنواع العقوبات.
الحساب والجزاء
وبعد بعث العباد وحشرهم يبدأ عرض أعمالهم ومن ثم الحساب والجزاء. قال تعالى ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (الغاشية 25). وقال فيما أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها. فمن وجد خيراً فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه"(1).
يوقف الله تعالى عباده بين يديه، ويعرّفهم بأعمالهم التي عملوها وأقوالهم. وتتطاير الصحف والسجلات كما قال تعالى ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ وهي مع انتشارها وتتطايرها فإن الله قادر على أن يوصل كل صحيفة إلى صاحبها، فيستلمها. لا يحصل في ذلك لبس ولا اختلاط.
ويُعطى كل واحد كتابه: إما بيمينه إن كان سعيداً، لا يمكن أن يستلمها بشماله، ويستلمها بشماله إن كان شقياً، لا يمكن أن يتسلمها بيمينه. وهذا من مشاهد الإعجاز الإلهي. قال تعالى ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ ، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ ، فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ، فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ، كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾.
(1) رواه مسلم (2577) .