تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعض السنين آخر مدة الناصر، فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس، فصام أياما وتأهب، واجتمع الخلق في مصلى الربض، وصعد الناصر في أعلى قصره ليشاهد الجمع، فأبطأ منذر ثم خرج راجلا متخشعا، وقام ليخطب، فلما رأى الحال بكى ونشج، وافتتح خطبته بأن قال: سلام عليكم، ثم سكت شبه الحسير، ولم يكن من عادته، فنظر الناس بعضهم إلى بعض، لا يدرون ما عراه ثم اندفع فقال: ﴿سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ الآية (الأنعام 54) استغفروا ربكم وتوبوا إليه، وتقربوا بالأعمال الصالحة لديه، فضج الناس بالبكاء، وجأروا بالدعاء والتضرع، وخطب فأبلغ، فلم ينفض القوم حتى نزل غيث عظيم، واستسقى مرة فقال يهتف بالخلق ﴿يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله﴾ الآيتين (فاطر 15 16 (فهيج الخلق على البكاء قال: وسمعت من يذكر أن رسول الناصر جاءه للاستسقاء فقال للرسول: ها أنا سائر، فليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة في يومنا هذا؟ فقال: ما رأيته قط اخشع منه في يومه هذا، إنه منفرد بنفسه، لابس اخشن الثياب مفترش التراب، قد علا نحيبه واعترافه بذنوبه يقول: رب هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذب الرعية؟ وأنت احكم الحاكمين وأعدلهم أن يفوتك مني شيء، فتهلل منذر بن سعيد وقال: يا غلام احمل الممطرة معك، إذا خشع جبار الارض، رحم جبار السماء، قال ابن عفيف: من أخباره المحفوظة، أن أمير المؤمنين عمل في بعض سطوح الزهراء قبة بالذهب والفضة، وجلس فيها ودخل الأعيان، فجاء منذر بن سعيد فقال له الخليفة كما قال لمن قبله: هل رأيت أو سمعت أن أحداً من الخلفاء قبلي فعل مثل هذا؟ فأقبلت دموع القاضي تتحدر ثم قال: والله ما ظننت يا أمير المؤمنين أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ، أن أنزلك منازل الكفار، قال: لم؟ فقال: قال الله عز وجل: ﴿ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة﴾ إلى قوله ﴿والآخرة عند ربك للمتقين﴾) الزخرف 33 34 (فنكس الناصر رأسه طويلا ثم قال: جزاك الله عنا خيرا وعن المسلمين، الذي قلت هو الحق، وأمر بنقض سقف القبة، وخطب يوما فأعجبته نفسه فقال: حتى متى أعظ ولا اتعظ؟ وأزجر ولا أزدجر؟ أدل على الطريق المستدلين؟ وأبقى

تسهيل الوصول لفوائد سير أعلام النبلاء · الصفحة ٢٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تسهيل الوصول لفوائد سير أعلام النبلاءص ٢٢٥