كتب الحكم، فأبرز ما فيها، ثم أفرد ما فيها من كتب الفلسفة فأحرقها بمشهد من العلماء، وطمر كثيرا منها، وكانت كثيرة إلى الغاية، فعله تقبيحا لرأي المستنصر الحكم، وكان بطلا شجاعا حازما سائسا غزاء، عالما جم المحاسن، كثير الفتوحات، عالي الهمة، عديم النظير، وقد غزا أبو عامر في مدته نيفا وخمسين غزوة، وكثر السبي، حتى بيعت بنت عظيم ذات حسن بعشرين دينارا، ولقد جمع من غبار غزواته ما عملت منه لبنة، وألحدت على خده، أو ذر ذلك على كفنه، توفي بأقصى الثعور بالبطن، سنة ثلاث وتسعين ثلاث مئة 15\ 17
o حكى من صحبه حضرا وسفرا، أنه – نور الدين زنكي - ما سمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في ضجره، وكان يواخي الصالحين ويزورهم، وإذا احتلم مماليكه أعتقهم وزوجهم بجواريه، ومتى تشكوا من ولاته عزلهم، وغالب ما تملكه من البلدان تسلمه بالأمان، وكان كلما أخذ مدينة أسقط عن رعيته قسطا، وقال أبو الفرج بن الجوزي: جاهد وانتزع من الكفار نيفا وخمسين مدينة وحصنا، وقال الموفق عبد اللطيف: كان نور الدين لم ينشف له لبد من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة، ويعمل أغلافا تارة، ويلبس الصوف، ويلازم السجادة والمصحف، وقال ابن خلكان: ضربت السكة والخطبة لنور الدين بمصر، وكان زاهدا عابدا متمسكا بالشرع، مجاهدا كثير البر والأوقاف، له من المناقب ما يستغرق الوصف 533\ 20
o عبد الغني الإمام العالم الحافظ الكبير الصادق القدوة العابد الأثري المتبع، كان رحمه الله يقرأ الحديث يوم الجمعة بجامع دمشق، وليلة الخميس ويجتمع خلق، وكان يقرأ ويبكي ويُبكي الناس كثيرا، حتى إن من حضره مره لا يكاد يتركه، وكان إذا فرغ دعا دعاء كثيرا، سمعت شيخنا بن نجا الواعظ بالقرافة يقول على المنبر: قد جاء الإمام الحافظ وهو يريد أن يقرأ الحديث، فاشتهى أن تحضروا مجلسه ثلاث مرات، وبعدها أنتم تعرفونه، وتحصل لكم الرغبة، فجلس أول يوم وحضرت، فقرأ أحاديث بأسانيدها حفظا، وقرأ جزءا ففرح الناس به، فسمعت بن نجا يقول: حصل الذي كنت أريده في أول مجلس. ... وسمعت بعض من حضر يقول: بكى الناس حتى