وقد يبطئ النصر لتزيد الأمة المؤمنة صلتها بالله، وهي تعاني وتتألم وتبذل، ولا تجد لها سنداً إلا الله ولا متوجهاً إلا إليه وحده في الضراء .. وهذه الصلة هي الضمانة الأولى لاستقامتها على النهج بعد النصر عندما يتأذن به الله .. فلا تطغى ولا تنحرف عن الحق والعدل والخير الذي نصرها الله به ..
وقد يبطئ النصر لأن الأمة المؤمنة لم تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها لله ولدعوته فهي تقاتل لمغنم تحققه، أو تقاتل حمية لذاتها، أو تقاتل شجاعة أمام أعدائها. والله يريد أن يكون الجهاد له وحده وفي سبيله، بريئاً من المشاعر الأخرى التي تلابسه. وقد سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرجل يقاتل حمية والرجل يقاتل شجاعة. والرجل يقاتل ليرى. فأيها في سبيل الله؟ فقال (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) (رواه الشيخان) ..
كما قد يبطئ النصر لأن في الشر الذي تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير يريده الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصاً، ويذهب وحده هالكاً، لا تتلبس به ذرة من خير تذهب في الغمار .. وقد يبطئ النصر لأن الباطل الذي تحاربه الأمة المؤمنة لم تنكشف زيفه للناس تماماً. فلو غلبه المؤمنون حينئذ فقد يجد له أنصار من المخدوعين فيه، لم يقتنعوا بعد بفساده وضرورة زواله، فتظل له جذور في نفوس الأبرياء الذين لا لم تنكشف لهم الحقيقة. فيشاء الله أن يبقى الباطل حتى يتكشف عارياً للناس ويذهب غير مأسوف عليه من ذي بقية.
وقد يبطئ النصر لأن البيئة لا تصلح بعد لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله الأمة المؤمنة. فلو انتصرت حينئذ للقيت معارضة من البيئة لا يستقر معها قرار. فيظل الصراع قائماً حتى تتهيأ النفوس من حوله لاستقبال الحق الظافر. ولاستبقائه. من أجل هذا كله، ومن أجل غيره مما يعلمه الله، قد يبطئ النصر. فتتضاعف التضحيات وتتضاعف الآلام. مع دفاع الله عن الذين آمنوا وتحقيق النصر لهم في النهاية. وللنصر تكاليفه وأعباؤه حين يتأذن الله به بعد استيفائه أسبابه، وأداء ثمنه، وتهيؤ الجو لاستقباله واستبقائه.