فليس لأحد من بني آدم أن ينصب نفسه ملكاً على الناس ومسيطراً عليهم، يأمرهم بما يشاء وينهاهم عما يريد. ولا جرم أن استقلال فرد من أفراد البشر بالأمر والنهي من غير أن يكون له سلطان من الملك الأعلى، هو تكبر في الأرض على الله بغير الحق، وعتو عن أمره وطموح إلى مقام الألوهية، والذين يرضون أمثال هؤلاء الطواغيت لهم ملوكاً وأمراء إنما يشركون بالله، وذلك مبعث الفساد في الأرض، ومنه تنفجر ينابيع الشر والطغيان.
انقلاب جماعي:
إن دعوة الإسلام إلى التوحيد وعبادة الله الواحد، لم تكن قضية كلامية. أو عقيدة لاهوتية فحسب. شأن غيره من النحل والملل، بل الأمر أنها كانت دعوة إلى انقلاب اجتماعي ( Social Revolution) أرادت في أول الأمر ما أرادت أن تقطع دابر الذين تسنموا ذروة الألوهية، واستعبدوا الناس بحيلهم ومكايدهم المختلفة فمنهم من تبوأ مناصب السدنة والكهان، ومنهم من استأثر بالملك والإمرة، وتحكم في رقاب الناس، ومنهم من استبد بمنابع الثروة وخيرات الأرض، وجعل الناس عالة عليهم يتكففون ولا يجدون ما يتبلغون به .. فأرادت دعوة الإسلام أن تقطع دابرهم جميعاً وتستأصل شأفتهم استئصالاً .. وهؤلاء تارة تسنموا قمة الألوهية جهراً وعلانية، وأرادوا أن يقهروا من حولهم من الناس على أن يذعنوا لأمرهم، وينقادوا لجبروتهم، مستندين إلى حقوقهم التي ورثوها عن آبائهم، أو استأثرت بها الطبقة التي ينتمون إليها، فقالوا: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) .. (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) .. (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) .. (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً) .. إلى غيرها من كلمات الاستكبار ودعاوى الألوهية التي تفوهوا بها وتجاسروا عليها بغياً وعدواناً. وطوراً استغلوا جهل الدهماء وسفههم، فاتخذوا من الأصنام والتماثيل والهياكل آلهة، يدعون الناس ويريدونهم على أداء مظاهر العبودية أمام هذه التماثيل والهياكل متوارين بأنفسهم من ورائها، يلعبون بعقول الناس، ويستعبدونهم لأغراضهم وشهواتهم وهم لا يشعرون. فيتبين من ذلك أن دعوة الإسلام إلى التوحيد، وإخلاص العبادة لله الواحد الأحد، وتنديده بالكفر والشرك بالله واجتناب الأوثان والطواغيت. كل ذلك يتنافى ويتعارض مع الحكومة والعاملين عليها المتصرفين في أمورها. والذين يجدون فيها سنداً لهم، وعوناً على قضاء حاجاتهم وأغراضهم .. ومن ثم ترى أنه كلما قام نبي من الأنبياء يجاهر الناس بالدعوة، وخاطبهم قائلاً (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) .. قامت في وجهه الحكومات المتمكنة في عصره، وثار عليه جميع من كانوا يستغلون خيرات البلاد ويستثمرونها ظلماً وعدواناً .. خرجت تقاومه وتضع في سبيل الدعوة العقبات. وذلك أن هذه الدعوة لم تكن مجرد بيان لعقيدة كلامية. أو شرح لمسألة من مسائل الإلهيات ( Metaphysical Proposition) وإنما كانت نداء لانقلاب اجتماعي عالمي، ما كانت بوادره لتخفى على المستأثرين بمناصب العز والجاه، المستبدين بمنابع الثراء، ممن يشمون رائحة الاضطرب السياسي قبل حدوثه بأعوام.
نظام شامل:
إن الإسلام ليس بمجرد مجموعة من العقيدة الكلامية، وجملة من المناسك والشعائر، كما يفهم من معنى الدين في هذه الأيام. بل الحق أنه نظام شامل يريد أن يقضي على سائر النظم الباطلة الجائرة الجارية في العالم ويقطع دابرها، ويستبدل بها نظاماً صالحاً، ومنهاجاً معتدلاً يرى أنه خير للإنسانية من النظم الأخرى، وأن فيه نجاة للجنس البشري من أدواء الشر والطغيان، وسعادة له وفلاحاً في العاجلة والآجلة معاً ..