والمسافة قد لا تبدو كبيرة عند مفرق الطريق بين تصور أن الإسلام كان مضطراً لخوض معركة لا اختيار له فيها بحكم وجوده الذاتي ووجود المجتمعات الجاهلية الأخرى التي لا بد أن تهاجمه وتصور أنه هو بذاته لا بد أن يتحرك ابتداء فيدخل في هذه المعركة.
المسافة عند مفرق الطرق قد لا تبدو كبيرة فهو في كلتا الحالتين سيدخل المعركة حتماً ولكنها في نهاية الطريق تبدو هائلة شاسعة تغير المشاعر والمفهومات الإسلامية تغييراً كبيراً خطيراً ..
إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام منهجاً إلهياً جاء ليقرر ألوهية الله في الأرض وعبودية البشر جميعاً لإله واحد ويصب هذا التقرير في قالب واقعي هو المجتمع الإنساني الذي يتحرر فيه الإنسان من العبودية للعباد، بالعبودية لرب العباد. فلا تحكمهم إلا شريعة الله التي يتمثل فيها سلطان الله أو بتعبير آخر تتمثل فيها ألوهيته. فمن حقه إذن أن يزيل العقبات كلها من طريقه ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم دون حواجز ولا موانع مصطنعة من نظام الدولة السياسي أو أوضاع الناس الاجتماعية إن هناك مسافة هائلة بين اعتبار الإسلام على هذا النحو واعتباره نظاماً محلياً في وطن بعينه. فمن حقه فقط أن يدفع الهجوم عليه في داخل حدوده الإقليمية.
هذا تصور وذاك تصور، ولو أن الإسلام في كلتا الحالتين سيجاهد ولكن التصور الكلي لبواعث هذا الجهاد وأهدافه ونتائجه يختلف اختلافاً بعيداً يدخل في صميم الاعتقاد كما يدخل في صميم الخطة والاتجاه.
إن من حق الإسلام أن يتحرك ابتداء. فالإسلام ليس نحلة قوم ولا نظام وطن، ولكنه منهج إله ونظام عالم. ومن حقه أن يتحرك ليحطم الحواجز والأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية (الإنسان) في الاختيار. وحسبه أن لا يهاجم الأفراد ليكرههم على اعتناق عقيدته. إنما يهاجم الأنظمة والأوضاع ليحرر الأفراد من التأثيرات الفاسدة المفسدة للفطرة، المقيدة لحرية الاختيار.
من حق الإسلام أن يخرج (الناس) من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ليحقق إعلانه العام بربوبية الله للعالمين وتحرير الناس أجمعين وعبادة الله وحده لا تتحقق في التصور الإسلامي وفي الواقع العملي إلا في ظل النظام الإسلامي. فهو وحده النظام الذي يشرع الله فيه للعباد كلهم حاكمهم ومحكومهم أسودهم وأبيضهم. قاصيهم ودانيهم. فقيرهم وغنيهم. تشريعاً واحداً يخضع له الجميع على السواء .. أما في سائر الأنظمة فيعبد الناس العباد لأنهم يتلقون التشريع لحياتهم من العباد. وهو من خصائص الألأوهية. فأيما بشر ادعى لنفسه سلطان التشريع للناس من عند نفسه فقد أدعى الألوهية اختصاصاً وعملاً سواء أدعاها قولاً أم لم يعلن هذا الادعاء. وأيما بشر آخر اعترف لذلك البشر بذلك الحق فقد اعترف له بحق الألوهية. سواء سمّاها باسمها أم لم يسمها.
والإسلام ليس مجرد عقيدة. حتى يقنع بإبلاغ عقيدته للناس بوسيلة البيان. إنما هو منهج يتمثل في تجمع تنظيمي حركي يزحف لتحرير كل الناس. والتجمعات الأخرى لا تمكنه من تنظيم حياة رعاياها وفق منهجه هو. ومن ثم يتحتم على الإسلام أن يزيل هذه الأنظمة بوصفها معوقات للتحرر العام. وهذا –كما قلنا من قبل- معنى أن يكون الدين كله لله. فلا تكون هناك دينونة ولا طاعة لعبد من العباد لذاته، كما هو الشأن في سائر الأنظمة التي تقوم على عبودية العباد للعباد.