تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا الدين منهج الحياة البشرية يتم تحقيقه في حياة البشر بجهد بشري، في حدود الطاقة البشرية. ويبدأ في العمل من النقطة التي يكون البشر عندها بالفعل من واقعهم المادي ويسير بهم إلى نهاية الطريق في حدود جهدهم البشري وطاقتهم البشرية، ويبلغ بهم أقصى ما تمكنهم طاقتهم وجهدهم من بلوغه ..

وميزته الأساسية أنه لا يغفل لحظة، في أية لحظة، في أية خطة، وفي أية خطوة عن طبيعة فطرة الإنسان وحدود طاقته وواقعه المادي أيضاً. وأنه في الوقت ذاته يبلغ به –كما تحقق ذلك فعلاً في بعض الفترات، وكما يمكن أن يتحقق دائماً كلما بذلت محاولة جادّة- ما لم يبلغه أي منهج آخر من صنع البشر على الإطلاق.

ولكن الخطأ كله ينشأ من عدم الإدراك لطبيعة هذا الدين أو نسيانها، ومن انتظار الخوارق التي لا ترتكن على الواقع البشري والتي تبدّل فطرة الإنسان وتنشئه نشأة أخرى لا علاقة لها بفطرته وميوله واستعداداته وطاقاته وواقعه المادي كله. أليس هو من عند الله؟ أليس ديناً من عند القوة القادرة التي لا يعجزها شيء؟ فلماذا إذن يعمل فقط في حدود الطاقة البشرية؟ ولماذا يحتاج إلى الجهد البشري ليعمل؟ ثم لماذا لا ينتصر دائماً؟ ولا ينتصر أصحابه دائماً؟ لماذا تغلب عليه ثقلة الطبع والشهوات والواقع المادي أحيانا؟

وكلها كما ترى أسئلة وشبهات تنبع من عدم إدراك الحقيقة الأولية البسيطة لطبيعة هذا الدين وطريقته أو نسيانها ... إن الله قادر طبعاً على تبديل فطرة الإنسان عن طريق هذا الدين أو من غير طريقه وكان قادراً على أن يخلقه منذ البدء بفطرة أخرى ولكنه شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة وشاء أن يجعل لهذا الإنسان إرادة واستجابة وشاء أن يجعل الهدى ثمرة للجهد والتلقي والاستجابة. وشاء أن تعمل فطرة الإنسان دائماً ولا تُمحى ولا تُبدّل ولا تُعطل وشاء أن يتم تحقيق منهجه للحياة عن طريق الجهد البشري، وفي حدود الطاقة البشرية. وشاء أن يبلغ الإنسان من هذا كله بقدر ما يبذل من الجهد في حدود ملابسات حياته الواقعة. وليس لأحد من خلقه أن يسأله: لماذا شاء هذا؟ ما دام أن أحداً من خلقه ليس إلهاً وليس لديه العلم ولا إمكان العلم بالنظام الكلي للكون وبمقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود وبالحكمة المُغيبة وراء خلق كل كائن بهذا التصميم الخاص .. و (لماذا؟) في هذا المقام سؤال لا يسأله مؤمن جادّ، ولا يسأله كذلك ملحد جاد .. المؤمن لا يسأله لأنه أكثر أدباً مع الله الذي يعرفه قلبه بحقيقته وصفاته وأكثر معرفة بأن الإدراك البشري لم يُهيأ للعمل في هذا المجال .. والكافر لا يسأله لأنه لا يعترف بالله ابتداء .. فإن اعترف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه سبحانه ومُقتضى ألوهيته. ولكنه سؤال قد يسأله هازل مائع. لا هو مؤمن جاد ولا هو ملحد جاد .. ومن ثم لا ينبغي الاحتفال به ولا الجدّ في أخذه. وقد يسأله جاهل بحقيقة الألوهية ... فالسّبيل لإجابة هذا الجاهل ليس هو الجواب المباشر. إنما هو تعريفه بحقيقة الألأوهية حتى يعرفها فهو مؤمن. أو ينكرها فهو ملحد. وبهذا ينتهي الجدل إلا أن يكون مراء.

طريق الدعوة في ظلال القرآن · الصفحة ٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

طريق الدعوة في ظلال القرآنص ٢٥