تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من استقرأ التاريخ الديني لهذه الأمة فإنه سينتهي قطعاً إلى أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهم أفضل بني آدم بعد النبيين وأصدقهم ديناً وأكملهم علماً وأهداهم سبيلاً – كان من أول مقاصدهم في دعوتهم أتْباعَهم وأكبر همهم في إرشادهم إياهم هو التنفير من الميل إلى الدنيا والتحذير من الركون إليها والتخويف من عبادتها والترهيب من التنافس فيها، وما ذاك إلا لأنهم علموا أنه لا يجتمع في قلب المسلم الحرص على الدنيا وحب الله عز وجل والاجتهاد في طاعته وفي طلب رضاه وجنته، فقد علموا أن الدنيا خمرة إبليس وأن الناس – إلا من رحمه الله وهداه – سكارى بها، وأن من سكر بها يغلب عليه أن لا يصحو إلا عند الموت، يوم لا يحصل من صحوه وإفاقته إلا الحسرة الكبرى والندم الأعظم، وعلموا أيضاً أنها تسحر قلوب العلماء فضلاً عن الجاهلين، وأنها تردي كثيراً من أهل الحذر والفطنة فضلاً عن الغافلين، فراحوا يصيحون بأتباعهم بأعلى صوت وأوضحه وأشفق قلب وأنصحه: إياكم والدنيا فاحذروها فإنها منزل الهلاك والعطب، وجدوا فيها فإنها دار اللهو واللعب، ثم سار على هذه الطريق القويمة والمحجة الواضحة من هداهم الله من التابعين ومن أتباعهم وممن جاء بعدهم، ولكن لم يزل هؤلاء السائرون في تناقص وتباطؤٍ إلى أن قل جداً في هذه الطرق السالكون، وكثر جداً بمجانبتها الهالكون، وكثرت البدع في الدين، وانتشرت الخرافات بين كثير من أدعيائه، وانقلبت أكثر الحقائق، وسميت كثير من الأمور بغير أسمائها، فعبد كثير من طلاب العلم الشرعي - أو هكذا يسمون أنفسهم أو يسميهم الناس - الدرهم والدينار أو الجاه والمنصب أو الشهرة والسمعة أو غير ذلك من متاع الدنيا حسياً كان أو معنوياً، وادعى الزهد من لا يعرفه وتكلم عليه من لا ينصفه ووُصف به من لا يفهمه من الجهلة والأغبياء والكذبة والأدعياء، فافتتن الناس – وما أعظم خسارتهم وأفدحها – بهذين الصنفين، الصنف الأول الذين

تقريب زهد ابن المبارك · الصفحة ٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تقريب زهد ابن المباركص ٨