9 - إذا حكمَ القاضي بالتقنينِِ فهلْ سَيقولُ: إنَّ هذا هو دينُ اللهِ الذي أرسلَ به رسولَه صلى اللهُ عليه وسلَّم , وأنزلَ به كتابَهُ , وشرَعَهُ لعبادِه , ولا دينَ له سواهُ؟ أو يقول: إنَّ دينَ اللهِ الذي شَرَعَهُ لعبادِه خلافُهُ؟ أو يقول: لا أدري؟ ولا بُدَّ للقاضي مِن قولٍ مِن هذه الأقوالِ , ولا سَبيلَ له إلى الأولِ قَطعاً , فإنَّ دينَ اللهِ الذي لا دينَ له سواهُ لا تَسوغُ مُخالفَتُه , وأقَلُّ درجاتِ مُخالِفِه أنْ يكونَ من الآثمينَ , والثاني لا يَدَّعيهِ , فليسَ له مَلجأٌ إلاَّ الثالثَ؟ فيا لله العَجَب! كيف تُستباحُ الفروجُ والدماءُ والأموالُ والحقوقُ وتُحلَّل وتُحرَّم بأمرٍ أحسنُ أحوالِه وأفضلِها: لا أدري؟.
فإنْ كنتَ لا تَدري فتِلكَ مُصيبةٌ ... وإنْ كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ (1).
10 - إذا عُمِلَ بمَا دَعَا إليه هؤلاء - لا قدَّرَ اللهُ - فسَيُلزَمُ القضاةُ الْجُدُدُ عندَ التَّعيينِ بالحكمِ بالتَّقنينِ الجديدِ , قالَ الإمامُ ابنُ قدامةَ رحمه الله تعالى: (ولا يجوزُ أن يُقلَّدَ القضاءُ لواحِدٍ على أنْ يَحكُمَ بمذهبٍ بعينِه، وهذا مذهبُ الشافعيِّ، ولا أعلمُ فيه خلافاً .. ) (2).
11 - بالنَّظرِ إلى حالِ التَّقنينِ الْمُلْزَمِ به في الدوَلِ: نَجِدُ أنه لَمْ يثبتْ على وَتيرةٍ واحدةٍ، بلْ مِن تَغييرٍ إلى تَغييرٍ , وتَبديلٍ إلى تبديلٍ؟.
(1) إعلام الموقعين للإمام ابن القيم رحمه الله ج2/ 191 بتصرف.
(2) المغني ج9/ 106.