وإذا كان هذا ما عليه الأمر بالنسبة لله سبحانه في الآخرة، فأولى أن يكون ذلك في الدنيا. فالله سبحانه وصف نفسه بالاستواءِ على العرش في سبعة مواضع من القرآن كقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فالاستواءُ على العرش صفة من صفاته سبحانه، لكن الله سبحانه استأثر نفسه بكيفية استوائِه هذا، وإن كان معنى الاستواءُ معروفاً في اللغة، فمعنى استوى في اللغة: أي علا وارتفع، فعندما تقول: استوى فلان على كرسيه، أي: علا وارتفع عليه، أو استوت السفينة على الماء، أي: علت وارتفعت، لكن هذا المعنى لا نستطيع أن نطلقه على الله إطلاقه على الشيء المخلوق، فنحن وإن عرفنا معنى استوى في قوله سبحانه: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، لكننا لا نستطيع أن ندرك كيفية استواءِ الله سبحانه على عرشه.
وقد علَّمنا الإمام مالك رحمه الله كيف نفهم هذه الآية على وجه الصواب الذي لا يوقعنا في المحظور الذي من أجله عطلت الجهمية صفات الله سبحانه، وذلك فيما حكاه لنا ابن وهب عنه. قال: كنت عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبدالله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، كيف استوى؟ فأطرق مالك، وأخذته الرُّحَضاءُ -العرق الكثير- ثم رفع رأْسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه، ولا يُقال كيف، وكيف عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة، أخرجوه.
وفي رواية أُخرى أنه قال: الاستواءُ منه غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً وأمر به فأُخرج. وهذا هو قول أهل السُّنَّة قاطبة.
فالمطلوب إذاً في هذه الآية أن نسلم بها تسليماً، وأن نعلم أن المعنى
الذي يليق بالمخلوق لا يليق بالخالق، وأننا إن أدركنا وعلمنا كيفية استواءِ المخلوق فإننا نقطع بجهلنا بكيفية استواء الخالق سبحانه.