إن التفريط في الأمر الصغير يؤدي إلى التفريط في الأمر الكبير، لأن استمرار هذا التفريط ينشئُ في الإنسان عادة تنتهي به إلى التهاون فيما يفعل، أو يقع عليه حسه من الأحوال والأفعال، والأُمة كلها تعلم أنَّ هناك كثيراً من عرى الدين، وأحكام الإسلام مقصية عن واقعهم، ولا يستطاع الوصول إليها، أو التحدث عنها، وبعض هذه العرى مما يترتب عليه إقامة حكم الله في الأرض، وحماية بيضة الإسلام، فهل من الحكمة والإيمان معاً أن يترك الداعية الدعوة إلى ما بقي من عرى الدين وأحكام الإسلام -وأغلبها مما يدخل في عداد القشور- بعذر أنه لا يقدر على هذه أو تلك منها؟ إنه لقول عجاب.
•…عاشراً:
وأخيراً، فإن هذا التفريق لم يعرف في سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فقد كانوا أحرص الناس على الاستجابة لكل أمر فيفعلونه، وعلى كل نهي فيتجنبونه، تحقيقاً في أنفسهم لقوله ×: "إذا أمرتكم بأمر فائْتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه"، فهو أمرٌ حادث، وكانوا أشد الناس نفرة من الحوادث، لأنها بدع، "وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار".
بل لقد بلغ من خوفهم من المخالفة عن الدين، وتحريهم امتثال أحكامه أنهم كانوا يَدَعونَ كثيراً من الحلال خشية الوقوع في باب من أبواب الحرام.
لقد نشأت هذه المَقُولة الحادثة من خضوع العقل المسلم للثقافة الغربية التي أخذت عليه أقطاره، وسدت عليه طرائِقه التي وصلت به من قبل إلى الهدى والحق، وخير الهدي ما استقر عليه الأمر في القرون المفضلة الأولى التي عاشت بالإسلام كله عقيدة وشريعة.
فليسعنا ما وَسِعَ هذه القرون، ولنمض في الطريق الذي مضَوا فيه، وليكن منهاجنا قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُواْ الله مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، و ﴿اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
? ?
معنى خلافة الإنسان في الأرض