وكل فريق منهما له ضلوع في مذهبه بما جرى عليه سلفه، ولقد علمنا أنَّ من أدب العِلم، أن ظنك على أنك على صواب فيما ذهبت إليه، وأن الذي خالفك فيه -وظنك أنه على خطأ فيما ذهب إليه- لا يؤكد صوابك، بل يجعل صوابه مرجوحاً عندك. ولا ينفيه ليجعله خطأ محضاً، فيكون ذلك زيادةً في ترجيح صوابك فإذا ما عبت رأيَ غيرك، فأنت -ولا بدَّ- معيبٌ برأيك عنده، ودعواك أن دليلك أقوى وأظهر وأهدى، هي دعواه نفسها، فتسقط الدعويان بذلك، ويكون إعذار كلٍّ منهما صاحبه، من غير نكيرٍ من أحدهما على الآخر، وهذا أدب جرى في الناس حيناً، ثم ولَّى مدبراً ولم يعقِّب.
إذاً فالقول قول من يقول: أنَّ الدليل معه فيما ذهب إليه، وقد أحاط علماً بالمسألة التي يرى قوله هو الأولى والأحق بدليلها الذي يراه دليلاً، فإن وافاها بحقِّها هذا، فهو ما يراد وينبغي، من غير أن تقوم للخلاف قائمةٌ بين المختلفين في المسألة، بل إننا نوجب أن يكون مثل هذا الاختلاف -لو كان- سبباً واصلاً بين المختلفين ولا يتم هذا على الوجه الحسن إلا بانتفاءِ الأهواء، وإيثار الحق المحبوب، وتقديمه على كلِّ مرغوب ينافي
الحق المطلوب.
وهذا لا يظهر على جليَّته، ولا يبين على حقيقته، ولا يُفرح به إلا إن رُئيَ على أهله، وأهله هم أهله، الذين أخذوا من العلم بحظٍّ وافر، وامتاروا بضاعتهم منه، ومن سوقه الرائجة، التي تفوح بأطيب الطُّيوب وأغلاها وأنفسها.