الجدار لا يظلم، فأي مدح في ذلك بالله عليك، لأنك لما نفيت الظلم عن الدار لم تعتقد اتصافه بضدها أي لأنه عادل، لأن الجدار لا يقبل الظلم ولا العدل وإنما المقصود التمثيل فقط. فإذا قلت: الله لا يظلم، فهذا نفي، فإذا لم تعتقد ثبوت الضد لله فهو نفي محض، وأهل السنة لا يصفون الله تعالى بالنفي المحض، لأن النفي المحض عدم محض والعدم المحض لا يصلح أن يكون طريقاً للمدح.
ومنها: أن المتقرر عند أهل السنة أن كل نقص في المخلوق لا كمال فيه فالله أحق بالتنزيه عنه، ومما يتنزه عنه المخلوق أن يوصف بالنفي المحض أي الذي لا يتضمن ثبوتاً فإذا كان ذلك الأمر مما يتنزه عنه المخلوق فالله تعالى أحق بالتنزيه عنه.
ومنها: أن النفي لا يلزم منه كمال الضد، لأنه قد يكون لعدم القدرة أصلاً كقولك للفقير المسكين: هذا لا يظلم أحداً، فإن هذا النفي ـ أعني نفي الظلم ليس لأن هذا الفقير عادل، وإنما لأنه غير قادر على الظلم أصلاً، وذلك كما قال الشاعر يذم قبيلة:
قُبَيِّلَةٌ لا يغدرون بذمةٍ ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
فنفى عنهم صفة الغدر والظلم لا لأنهم متصفون بالوفاء والعدل وإنما لأنهم عاجزون أصلاً عن الغدر والظلم فليس كل نفي لا بد أن يتضمن ثبوتاً، ولذلك فلا بد في الصفات التي نفاها الله عن نفسه أن نعتقد ثبوت كمال ضدها له جل وعلا.
ومنها: أن هذا هو جادة الأدب مع الرب جل وعلا وتبارك وتقدس، فإنه ما عظم الله تعالى حق تعظيمه من وصفة بالنفي المحض أي النفي الذي لا يتضمن إثباتاً، كما هو سبيل أهل الأهواء والبدع فإنهم وقعوا في بليتين:
الأولى: أنهم ينفون عن الله تعالى ما تهواه نفوسهم بلا دليل يستند عليه ولا برهان يعتمد عليه فيقول أحدهم: املأ الدنيا نفياً ولا تثبت صفة واحدة، فيقولون: لا عالم ولا جاهل ولا طويل ولا قصير ولا أبيض ولا أسود ولا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ولا محايث ولا يرى. ولا، ولا، ولا، ولا وهذه قلت أدب وتعطيل محض ووصف للرب بما لا يليق ويا ليت الأمر اقتضى على ما لم يرد الدليل