وهم لانبهارهم لم يروا ما رآه محمد مزالي مثلاً من حقيقة الديمقراطية الأوروبية إذ قال: " في الظاهر تتمتع أمريكا والبلاد الأوربية بحريات وتعدد أحزاب وانتخابات وجرائد متصارعة مما يبدو وكأن الأمر على أحسن ما يرام ولكن إن تعمقنا بكل ذلك، حينئذ فقد ندرك أن سلطان الأغنياء ورؤوس الأموال لا يزال قوياً ومؤثراً في مجريات الأمور " ويضرب مثلاً فرنسا –الجمهورية الرابعة- حيث كل كتلة كانت تؤثر على الحكومة وتسير الانتخابات والنواب بحسب مصالحها فيتفوق المزارعون تارة والتجار طوراً والشغالون أخرى... والصحافة التي يقال عنها حرة تخضع في الغالب لمراكز قوة رأسمالية جشعة ، أو مذهبية متعصبة ، ومن المعروف أنها تمول بالإشهار الذي كثيراً ما يزدري بالأخلاق والتربية ولا يقيم وزناً للمصلحة العليا أو تعيش بالمنح الخفية " ويتساءل فيقول: " فهل أنا حر حقيقة في اختياراتي وفي مواقفي، وأنا ومنذ صغر سني ومنذ عهد الدراسة أتأثر من حيث لا أشعر بنظريات وشعارات ومعلقات وأفلام وجرائد لا تخدم دائماً مصلحة العامة ولا تقر حساباً للأخلاق ؟!
أما عن الانتخابات فهو يرى أن إعطاء كل فرد صوتاً في الانتخابات شيء جميل نظرياً ولكنه في الواقع يؤدي إلى سيطرة عديمي الكفاءة ؛ فالتصويت يستوي فيه الجاهل والمثقف الواعي .والسياسيون المتزعمون قيادة الأمة يُقدمون على كل شيء ويعدون بكل شيء يجلب أصوات ما دامت المسألة أصوات وأغلبية .ويستشهد بقول مونتسكيو : إن الديمقراطية لا تنجح إلا إذا اقترنت بالفضيلة ؛ أي أن السياسة تقتضي الأخلاق ، ولكنه يرى أن شرط اقترانها بالأخلاق والفضيلة يسقط أهميتها ، ويساويها بالحكم الفردي ؛ لأنه " مع وجود الأخلاق سيكون أي حكم سيكون جميلاً، ديمقراطياً أو غير ديمقراطياً. وتبقى للحكم الفردي في هذه الحالة الأفضلية لأنه لإصلاح الحكم الفردي، يتطلب الأمر إصلاح أخلاق فرد أما الحكم الجماعي فيتطلب الأمر إصلاح مجموعة كبيرة "(1).
فالديمقراطية كما يراها البعض لها أنياب ومخالب وأنها أشرس من الدكتاتورية، وقد شكا الكثير من الغربيين من زيف الديمقراطية التي توجهها قوى ظاهرة وخفية لمصالح فئات معينة(2)، ولكن النهضويون عنها غافلون!!
(1) …محمد مزالي: دراسات ص 135 – 239.
(2) …يوسف القرضاوي: الإسلام والعلمانية ص 186 – 187.