وعندما أبينا أن نموت مستضعفين في الأرض تحت أقدام الطغاة ونفضنا الذل عن عواتقنا، وخجلنا أن نرفع الشعارات البراقة والآمال العريضة ونحن في ذل العبيد؛ قررنا أن نهجر الأرض التي يحرم فيها الجهاد ويعتبر جريمة موبقة رعناء.
وكما قال أبو الطيب:
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلة ... فلا تستعدن الحسام اليمانيا
ولا تستطيلن الرماح لغارة ولا تستجيدن العتاق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطوى ... ولا تتقى حتى تكون ضواريا
وإذا كان رب العزة؛ سمى النسيء زيادة في الكفر - والنسيء تأخير حرمة شهر إلى شهر أخر - فماذا نسمي الذين يسمون الجهاد؛ "جريمة قانونية"، ويعلن عن عقوبات مرتكبيها في أجهزة الاعلام دون خشية ولا خجل ولا حياء ولا وجل؟!
اليس الحكم الشرعي لهؤلاء أشد بكثير واعظم جرما من أولئك الذين كانوا يراعون قداسة الأشهر الحرم ويرعون عدتها، فلا يحلون في العدد، ولكن العرب - ولشدة حماسهم للحرب وعدم صبرهم عن القتال والنزال - كانوا يؤخرون حرمة محرم إلى صفر.
إذ كان يقف كل عام في موسم الحج رجل من كنانة يقال له "القلمس" أو آخر اسمه "أبو ثمامة" - جنادة بن عوض بن أمية - فيقول: (ألا ان ابا ثمامة لا يجاب ولا يعاب)، ثم يقول: (اني أخرت حرمة محرم إلى صفر) (1).
ان تحريم الجهاد؛ كفر يخرج من الملة، وان محاربة أولياء الله ومطاردتهم في بلادهم واحصاء انفاسهم وعد نبضاتهم وتكميم أفواهم؛ عمل عظيم عند الله يؤدي إلى خراب البلاد وهلاك العباد.
ألم تر إلى قول أبي بكر رضي الله عنه: (اخرجوا نبيهم - انا لله وانا إليه راجعون - ليهلكن).
وهذا شأن الذين يخرجون أولياء الله والدعاة في سبيله: (ومن عادى لي وليا فقد آذنته أو بارزته بالحرب) [البخاري] (2).
فماذا تحكم الشريعة الإسلامية على الذين يحرمون الجهاد؟ ويسمون الزنا؛ فنا! والربا؛ فائدة! والإسلام؛ رجعية، والتمسك بدين الله؛ تطرفا وانحرافا؟!
(1) تفسير ابن كثير: ج2/ص356.
(2) فتح الباري: ج11، كتاب التواضع، برقم: 6502، وهو مروي عن أبي هريرة.