تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد روى البخاري باسناده عن عكرمة؛ أخبرني ابن عباس: (أن أناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يأتي السهم فيصيب أحدهم فيقتله، أو يُضرب فيقتل، فأنزل الله تعالى: ﴿ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ... ﴾ [النساء: 97]).

هذا شأن المؤمنين في مكة القابضين على دينهم كالقابض على الجمر، فما بالك بالذين يعيشون في بلادهم، يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام، لا يشغله إلا لقمة الطعام وقطعة الكساء والعلاوة والوظيفة والدرجة والراتب وموديل السيارة ودهان العمارة؟!

والذين لا يتحركون لرفع الظلم وانصاف المظلومين؛ هؤلاء تجأر إلى الله عليهم دعوات المستضعفين: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾ [النساء: 75].

فهم الظالمون لأنفسهم لا يتحرقون ولا يتحركون لازالة الظلم عن المظلومين.

ولذا كانت أول آية نزلت لا باحة القتال تشير إلى العلة الحقيقية والسبب الرئيسي له، وهو أزالة الظلم؛ ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا أن يقولوا ربنا الله ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز﴾ [الحج: 40 - 39].

فهؤلاء ظلموا؛ بأن طردوا من ديارهم اجحافا وافتئاتا - تعديا - على حقهم، وكان السبب الحقيقي لطردهم هو التوحيد الذي حملوه في أعماقهم وضحوا من أجله وما أساؤوا إلى قومهم، ولا كان لهم ذنب إلا أنهم وحدوا الله، وهذا عند المشركين أكبر الذنوب، فالتوحيد في نظر أعداء الله جريمة يستحق صاحبها الطرد من مسقط رأسة ومرتع شبابه.

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، قال أبو بكر: اخرجوا نبيهم! انا لله وانا إليه راجعون، ليهلكن!)، قال ابن عباس: (فأنزل الله عز وجل: ﴿أذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير﴾)، قال أبو بكر رضي الله عنه: (فعرفت انه سيكون قتال) (1).

(1) تفسير ابن كثير: ج3/ص225.

تحطيم القيود · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحطيم القيودص ٥