تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذا فليس عجيبا أن ينزل رب العزة عشر آيات من السماء لتبرئة يهودي من سرقة أُتهم بها، واثباتها عند رجل يصلي ويصوم من المدينة - وهو طعمة بن ابيرق أو بشير بن ابيرق - والآيات التي خلدت هذه الحادثة في سورة النساء: ﴿إنا انزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾ [النساء: 105].

وهذه القصة لا تعرف لها البشرية نظيرا ولم تعرف لها الأرض مثيلا، وتشهد وحدها بأن هذا القرآن تنزيل من حكيم حميد، لا يمكن للبشر أن يكون لهم يد فيه، لأن البشر - مهما ارتفعت تصوراتهم ومهما صفت أرواحهم ومهما استقامت طبائعهم - لا يمكن أن يرتفعوا بانفسهم إلى هذا المستوى الفذ الذي يرسم على الأفق خطاً لا يمكن أن ترتقي إليه البشرية، ولا يمكن أن تصعد إليه الإنسانية إلا في ظل هذا الدين وإلا على هدي من هذا المنهج.

وخلاصة القصة في سبب نزول هذه الآيات؛ ان نفرا من الأنصار - قتادة بن النعمان وعمه رفاعه - غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، فسرقت الدرع لاحدهم - رفاعة - فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم: "بنو ابيرق"، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله على وسلم، فقال: (ان طعمة بن أبيرق سرق درعي)، وفي رواية: انه بشير بن ابيرق، فلما رأى السارق ذلك؛ عمد إلى الدرع فالقاها في بيت رجل يهودي اسمه زيد بن السمين، وقال لنفر من عشيرته: (اني غيبت الدرع والقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فقالوا: (يا نبي الله ان صاحبنا يرى ان الذي سرق الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علما، فأعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه، فانه ان لم يعصمه الله بك يهلك)، ولما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدرع وجدت في بيت اليهودي، قام فبرأ ابن ابيرق وعذره على رؤوس الناس، وكان أهله قد قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم - قبل ظهور الدرع في بيت اليهودي -: (إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت).

قال قتادة: (فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته)، فقال صلى الله عليه وسلم: (عمدت إلى أهل بيت يذكر منهم إسلام وصلاح، وترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة)، قال: (فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم اكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا أبن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزلت: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ... ﴾) (1).

(1) تفسير القرطبي: ج5/ص375.

تحطيم القيود · الصفحة ٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحطيم القيودص ٢