أقول : إن أسلم الأجوبة في نظري أن هذا إنما كان في شرع من قبلنا فالرجلان اللذان قص النبي - صلى الله عليه وسلم - قصتهما ليسا من هذه الأمة المرحومة وإنما من الأمم السابقة ، فكان من شريعتهم عدم جواز الكفر مع الإكراه بل الواجب الصبر حتى الموت ، ثم جاءت شريعتنا بخلاف ذلك فأجازت النطق بكلمة الكفر مع الإكراه ، والشرائع السابقة شرائع لنا ما لم يرد نسخها في شريعتنا ، وهذا الفرع المذكور ورد في شريعتنا ما ينسخه ، والدليل على ذلك أن غالب الأحاديث التي فيها " خرج رجلان " " خرج ثلاثة نفر " " كان فيمن كان قبلكم " كل هذه القصص التي يقصها النبي - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه كانت غالباً في الأمم السابقة ، ويندر أن تكون القصة في هذه الأمة ، والعبرة بالكثير الشائع لا بالقليل النادر .
وإذا لم يسلم لنا هذا الجواب فنقول : سلمنا أنه في هذه الأمة لكن كان في بداية الإسلام ثم نسخ ، فإن الشريعة في بدايتها كانت لا تقوم إلا على أفراد قلائل فلو أجيز لهم النطق بكلمة الكفر مع الإكراه لتلاشت في بدايتها لكن هذا المحذور زال بكثرة الداخلين في الإسلام .
فهذان الجوابان هما أسلم الأجوبة والاعتراضات عليها قليلة ضعيفة ، والله أعلم .
وبهذا تكون شروط المكلف ليثبت عليه التكليف إجمالاً خمسة : العقل ، والبلوغ والعلم والقدرة والاختيار .
واعلم أن التكليف كما أن له شروطاً فله أيضاً موانع ، وموانعه هي بعينها نقيض شروطه فالعقل شرط والجنون مانع ، والبلوغ شرط والصغر مانع ، والعلم شرط والجهل مانع ، والقدرة شرط والعجز وعدم الاستطاعة مانع ، والاختيار شرط والإكراه مانع .
هذا هو مجمل الكلام عن هذه القاعدة ، وأما فروعها فهي كثيرة جداً لا حصر لها ونذكر بعضها من باب التنبيه على ما لم يذكر فأقول :