ومن الأدلة أيضاً : أن الرجل لو أخبر عن نفسه وقال : صمت ، فإنه يكون صادقاً بصوم يومٍ واحدٍ ، ولو قال : سوف أصوم ، صدق بصوم يومٍ واحدٍ فقط ، فهذا يدل على أن الأمر المطلق لا يقتضي التكرار ولو كان يقتضيه لما صدق إلا بصوم الأيام كلها وهذا واضح .
إذا علمت هذا فاعلم أنه يشكل على هذا المذهب الراجح بعض الإشكالات التي أوردها الفريق الآخر القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار ، فمن ذلك : حديث ابن عباس عند مسلم في وجوب الحج وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إن الله فرض عليكم الحج فحجوا ، فقام رجل قال : أفي كل عامٍ يا رسول الله ، فقال : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع )) ووجه الإشكال أن الأمر في قوله ((فحجوا)) لو كان لا يفيد إلا المرة الواحدة لما حسن سؤال الأقرع بن حابس - رضي الله عنه - أعني قوله (أفي كل عامٍ يا رسول الله)، لكن لما كان لا يفيده حسن السؤال منه ، والأقرع من فصحاء العرب ، فدل سؤاله أنه لم يكن يفهم أن الأمر المجرد لا يفيد التكرار فكيف تقولون إنه لا يفيد التكرار ، فإنكم بهذا تكونون قد فهمتم شيئاً لم يفهمه الأقرع - رضي الله عنه - ، كذا قالوا ، وهو كلام مهزول ضعيف لا تقوم به حجة ، وبيان ذلك من أمور:
الأول : أن الأقرع لم يفهم من الأمر التكرار أيضاً ، أعني أن الدليل يرد على قولكم كما يرد على قولنا ، فنقول : سلمنا أن الأقرع سأل عن المراد بالأمر لأنه لم يفهم إفادته للمرة الواحدة ، لكن أيضاً سؤاله دليل على أنه لم يكن يفهم أنه للتكرار كما تقولون إذ لو كان الأقرع يفهم من الأمر المطلق التكرار فلماذا يسأل عن إفادته التكرار ، ففي الحقيقة أن حديث ابن عباس هذا يرد على كلا المذهبين هذا مع التسليم .