تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الأدلة أيضاً : قياس الأمر المطلق على اليمين والنذر، وبيان ذلك أنه لو قال: والله لأصومن ، فهذا إلزام لنفسه بالصيام فيخرج من عهدة اليمين عند عقلاء بني آدم بصيام يوم واحد فقط ، فلم يقل أحد هنا بأن اليمين هذه تقتضي التكرار ، فليقل ذلك أيضاً في الأمر المجرد عن القرينة بجامع الإلزام والإيجاب في كلٍ ، فإن ما وجب باليمين كالذي يجب بالشرع وخاصة إذا كان المحلوف على فعله عبادة ، فإذا كان إلزام الإنسان نفسه عبادةً باليمين على فعلها لا يفيد التكرار فكذلك إلزام الشارع له بهذه العبادة بالأمر بها لا يفيد التكرار ، ومثل ذلك يقال في النذر فإنه لو قال : لله علي أن أصوم ، لخرج من عهدة هذا النذر عند العقلاء بصوم يومٍ واحدٍ فقط ، فلا يفيد التكرار هنا فكذلك لا يفيده أيضاً بالأمر المجرد لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع ، فإذا كان لا يفيد التكرار في النذر علمنا أنه لا يفيده أيضاً بالأمر الشرعي المجرد عن القرائن .

ومن الأدلة أيضاً : أن العقلاء لو رأوا عبداً يدخل الدار ويخرج ثم يدخل ويخرج ثم يدخل ويخرج فسألوه عن سبب هذا الدخول المتكرر فقال : سيدي قال لي : ادخل الدار ، لما تردد واحد منهم في أن العبد أساء الفهم وأخطأ في هذا التصرف ،ولقالوا له : إنما أمرك بالدخول ولم يأمرك بتكرار الدخول ، وأنت امتثلت الدخول بالمرة الأولى فيبقى دخولك الثاني والثالث والرابع لا فائدة فيه ولم تؤمر به ، مما يدل على أن الأمر المطلق لا يفيد التكرار ودلالة الوضع اللغوي مهمة جداً .

ومن الأدلة أيضاً : قياس الأمر المجرد على الوكالة في الطلاق ، فإن الزوج لو قال لوكيله : طلق زوجتي ، فقد أمره بطلاق زوجته ومع ذلك فالوكيل لا يملك إلا طلقة واحدة ، فإذا طلق الوكيل مرةً واحدة انتهت وكالته فليقل ذلك في الأمر المطلق بجامع الأمرية في كلٍ ، فكما أن الأمر في الوكالة لا يفيد إلا المرة فكذلك الأمر المجرد لا يفيد إلا المرة ، والله أعلم .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ٥٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ٥٨