فإذا ثبت عندنا قول لصحابي بهذه الشروط فإن الأقرب في الأدلة هو أن قوله حجة على غيره ، بمعنى أننا نثبت حكماً شرعياً هو هذا القول أو هذا الفعل ، وهو اختيار جمعٍ من الأصوليين وهو المشهور في مذهب الإمام أحمد ، وهو المشهور من مذهب الحنفية ، والمالكية ، وهو منصوص الإمام الشافعي في القديم والجديد ، واختاره الإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحم الله الجميع رحمةً واسعة ، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس ، والدليل على ذلك عدة أمور :
منها : قوله تعالى : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾ فدل ذلك على أنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر لأن الألف واللام الاستغراقية إذا دخلت على المفرد أفاد العموم فيدخل تحت لفظ المعروف كل معروف ويدخل تحت لفظ المنكر كل منكر ، فلو كانت الحادثة في زمانهم لم يفت فيها إلا من أخطأ منهم لم يكن أحد منهم قد أمر فيها بمعروف ولا نهى فيها عن منكر إذ الصواب معروف بلا شك فعلم بذلك أن ما وقع في زمانهم من الحوادث وتكلموا فيها أو تكلم فيها بعضهم أن ما قالوه حق ومعروف ، وما كان حقاً ومعروفاً فإنه يجب اتباعه وهذا الصحابي قال قولاً في حادثة وقعت ولم يخالفه غيره من الصحابة فدل ذلك على أن ما قاله حق وصدق ومعروف ولا يتصور أن يكون ما قاله خطأً لأنه يلزم منه خلو زمانهم من قائل بالمعروف . والله أعلم .