ومن الأمثلة أيضاً : قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح : (( ما من مسلم يصيبه هَمٌّ ولا غم ولا وصب إلا كفر الله به من ذنوبه حتى الشوكة يشاكها )) أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - ، فقوله : ((حتى الشوكة يشاكها)) من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ، أي إذا كفر الله ذنوبه بوجع شوكة فلئن يكفر ذنوبه بحلول المصائب العظيمة والأمراض الخطيرة من باب أولى ، فهذا من باب مفهوم الموافقة الأولوي .
ومن الأمثلة أيضاً : قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( تقطع اليد في ربع دينارٍ فصاعداً )) فنص على الأدنى ثم قال(فصاعداً) أي ما كان أعلى من ربع الدينار فإنه تقطع اليد من باب أولى
ومن الأمثلة : قوله - صلى الله عليه وسلم - : (( إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة فقد لغوت )) متفق عليه ، وزاد أحمد من حديث ابن عباس : (والذي يقول له أنصت فلا جمعة له) فدل هذا الدليل على النهي عن قول (أنصت) لكن يفهم منه النهي عن ما فوقها من الكلام ، فإنه إذا كان قول (أنصت) وهو أمر بمعروف ونهي عن منكر مذهب لأجر الجمعة ، فكيف بالذي يتحدث مع صاحبه في أمور الدنيا من بيع وشراءٍ ونكاحٍ وطلاق ، فضلاً عن الذي يتكلم بغيبةٍ أو نميمةٍ ونحوها ، فهؤلاء بلا شك أحق بالحكم من قول (أنصت) ولا نظن أحداً من العقلاء يجيز سائر الكلام في الخطبة ويحرم لفظ (أنصت) ويقول : لأن الدليل لم ينص إلا عليها فقط وسكت عن ما عداها ، فإن هذا الكلام ممجوج طبعاً وشرعاً ، بل العقلاء من الإنس والجن يفهمون من النهي عن كلمة (أنصت) مع ما فيها من الأمر بالخير ، يفهمون من ذلك النهي عن سائر الكلام وإنما مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - على الكلام المنهي عنه حال الخطبة بهذه الكلمة من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى .