ومن الأمثلة أيضاً : دل الدليل على أن النوم ناقض للوضوء وذلك لحديث صفوان بن عسال (( كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيامٍ ولياليهن إلا من جنابة لكن من غائطٍ وبولٍ ونوم )) وقال عليه الصلاة والسلام (( العين وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء )) فالنوم ناقض ، لكن هذه الأدلة لم تذكر إلا حكم النوم فقط ، وسكتت عن حكم الإغماء والجنون ، فهل هما ناقضان أم لا ؟
أقول : لاشك أنهما ناقضان بل هما أولى بالنقض لذهاب الشعور بالكلية ، فإن النائم إذا نبه انتبه ، أما المغمى عليه والمجنون فلا يستفيقان بالتنبيه ، فإذا كان النوم مع خفته ناقضاً فالجنون والإغماء ينقضان من باب أولى ، فاتفق المنطوق به وهو النوم مع المسكوت عنه وهو الجنون والإغماء في الحكم لكن إثبات الحكم وهو النقض للمسكوت عنه أولى من إثباته للمنطوق به ، فهذا هو مفهوم الموافقة الأولوي .
ومن الأمثلة أيضاً : دلت الأدلة على أن المحرمة ممنوعة من لبس النقاب بقوله - صلى الله عليه وسلم - : (( ولا تنتقب المحرمة ولا تلبس القفازين )) فالدليل ذكر حكم النقاب فقط لكن سكت عن حكم البرقع ، ولا شك أنه أولى بالحكم من النقاب ، فالبرقع حرام من باب أولى ، فالمسكوت عنه هو البرقع والمنطوق به هو النقاب وكلاهما حرام لكن البرقع أولى بالتحريم ، فهو مفهوم موافقةٍ أولوي ، فإذا قيل لك ما الدليل على تحريم البرقع ؟
فقل : دليلنا هو مفهوم الموافقة الأولوي من تحريم النقاب بمعنى : أنه إذا كان النقاب حراماً على المحرمة فالبرقع من باب أولى .