وانظر إلى عمر وعمار فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثهما في حاجة فأجنبا فتمرغ عمار في الصعيد كما تتمرغ الدابة وصلى ، وعمر لم يصل فلما أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبره الخبر قال : ((إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا … الحديث)) فلما جاءت خلافة عمر - رضي الله عنه - كان عمار يحدث بهذا الحديث عنه وعن عمر ، فدعاه فقال : ما هذا الحديث الذي تحدث به عني فأخبره عمار بالقصة فلم يتذكر - رضي الله عنه - ، فقال عمار : إن شئت أن لا أحدث به ما حدثت ، فقال عمر : بل عليك ما تحملت ، فهذا عمر أصابه النسيان وهو من سادات الثقات العدول الأثبات ، فهل نسيانه لهذا الحديث يقدح في رواية عمار له ؟ بالطبع لا ، ولذلك فلا غرابة أن يحفظ بعض الثقات ما لا يحفظه الآخر .
ومن ذلك أيضاً : أن بعض الثقات قد يكون ألزم للشيخ من غيره من الثقات ، فيسمع ما لا يسمعون ويحضر مالا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون كحال أبي هريرة - رضي الله عنه - كما روى البخاري من حديث ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة أنه قال : " إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون " وهذا معروف بالتجربة فإن المشايخ لا يستوي الطلاب عندهم غالباً ، بل من الطلاب من يكون كظل الشيخ ومن الطلاب من لا يرى الشيخ إلا في الحلقة فقط ، فيسمع الأول ما لا يسمع الثاني ، ومن الذي ينكر هذا ، فلعل هذه الزيادة سمعها ذلك الثقة في وقتٍ انفرد به مع الشيخ ، وهذا متصور كما ذكرنا .