ومن الأدلة أيضاً : أن الأمة أجمعت على أن البنات لهن الثلثان بدليل قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ فأجمعت الأمة الإسلامية على أن البنات إذا كن فوق اثنتين أن لهما ثلثي التركة بهذه الآية مع أنها نزلت في سبب خاص ، فقد روى أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : " جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتي سعدٍ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله هاتان ابنتا سعدٍ قتل معك يوم أحد وإن عمهما أخذ جميع ما ترك أبوهما وإن المرأة لا تنكح إلا على مالها ، فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزلت آية المواريث " ﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ﴾ فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخا سعد بن الربيع فقال : (( أعط ابنتي سعدٍ ثلثي ماله ، أعط امرأته الثمن وخذ أنت الباقي )) ، فهذه الآية وإن نزلت على سببٍ خاص إلا أن الأمة أجمعت على العمل بها في البنات إذا كن فوق اثنتين ، فهذا يدل على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
ومن الأدلة أيضًا : أن المتقرر في الأصول أن خطاب الشارع للواحد خطاب للأمة ما لم يدل دليل التخصيص ، فهذا يدل على أن العبرة عموم اللفظ لا خصوص السبب . فهذه مجمل الأدلة الدالة على صحة هذه القاعدة المفيدة جداً للطالب.
إذا علمت هذا فاعلم أن بعض أهل العلم ذهب إلى عكس هذه القاعدة فقال : العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ ، وهذا ليس بصواب إذ لا دليل عليه بل الأدلة تخالفه كما رأيت ، وإنما ليس عندهم إلا شبهات عقلية ظنوها أدلة سليمة وإنما هي خيالات عقيمة أردت كثيراً منهم في مزالق وخيمة .