تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأي حكم بلفظ عام كانت صورة سببه هي المؤثرة في نزوله فإنه يناط بها ولا يتعداها إلى غيرها ، فإن قلت : فهل هذا ينافي قولنا : العبرة بعموم اللفظ ، قلت : لا ينافيها أبداً ، لكن أيضاً لا يتجاوز بها صورة السبب ، هذا إذا كانت صورة السبب لها تأثير في ورود الحكم ، أما إذا كان الحكم قد قرر في مناسبات متعددة ، ثم قرر مرةً أخرى بعد سبب خاص ، ففي هذه الحالة فالعبرة بعموم لفظه مطلقاً أي لا يقصر على صورة سببه ، وذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن بئر بضاعة وأنها يلقى فيها الحيض ولحوم الكلام والنتن فقال : (( إن الماء طهور لا ينجسه شيء )) فهذا الحكم عام مطلقاً ولا يخص ببئر بضاعة بل ولا بغيرها من الآبار المماثلة لها ، لأن طهورية الماء قد قررت في مناسبات متعددة ، فمن ذلك قوله تعالى : ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ﴾ ، وقال : ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ ، وفي حديث أبي أمامة : " الماء طهور لا ينجسه شيء " ، وفي حديث ابن عمر : " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " ، ففي مناسباتٍ كثيرة يقرر الشارع طهورية الماء ، إذاً ليس الحكم خاصاً ببئر بضاعة ، وسببها ليس مؤثراً في ورود الحكم ، فهنا يكون الحكم دليلاً على غير صورة السبب ، فيكون دليلاً على طهارة الآبار والعيون والأنهار والبحار والمستنقعات الصغيرة والكبيرة وهكذا ، مع أنه ورد في بئر بضاعة لكن هو عام فيها وفي غيرها من سائر أنواع المياه وهكذا ، وعلى كل حال فالحكم إذا ورد على سببٍ خاص فلا يخلو إما أن تكون صورة السبب هي المؤثرة في ورود الحكم وإما لا ، فإن كان الأول فيكون العموم معتبراً في صورة السبب فقط ، وإن كان الثاني فيكون العموم في مسمى اللفظ ، والله يتولانا وإياك .

تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ١٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ١٧٤