لكن انظر إلى حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه ، فقال : ((ما هذا ؟)) ، قالوا : صائم ، قال : ((ليس من البر الصيام في السفر)) " فهنا إنكار بهذه الشدة على الصيام في السفر حتى أخبر أنه ليس من البر ، مع أنه في الأحاديث لم ينكر الصوم بل قد صام وأجاز الصيام ، فلو كان الصيام في السفر ليس من البر ، فكيف إذاً يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجيز فعله ؟ وكيف لم يقل ((ليس من البر الصيام في السفر)) على عبد الله بن رواحة ومن صام معه في سفره ؟ بل في حديث أنس السابق "لم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم" ، فكل هذا يدلك أن قوله - صلى الله عليه وسلم - ((ليس من البر الصوم في السفر)) وإن كان بلفظٍ عام ، لكن لا ينبغي إفراده عن صورة سببه ، لأن الصيام في السفر كان واقعاً منه ومن أصحابه كما رأيت في الأحاديث السابقة ، ومع ذلك لم ينكر عليهم ، وإنما أنكر لما رأى حالة هذا الرجل الذي قد شق عليه الصيام حتى أوجب له السقوط والتظليل عليه من حر الشمس فهنا قال هذه الكلمة ، مما يدل على أن صورة السبب لها تأثير في الحكم بدليل صيامه هو في السفر وعدم إنكاره على من صام إنما أنكر الصيام في السفر لما رأى حالة هذا الرجل ، فهذا يبين لك أن حكمه هذا إنما هو لأجل هذا الأمر ، فإذاً قوله ((ليس من البر الصوم في السفر)) لابد أن يربط بصورة سببه ولا يفرد عنها ، فهذا يرجح مذهب من قال بأن أفضلية الفطر في السفر تربط بالمشقة ، فإذا وجدت المشقة استحب الفطر ، أما إذا لم توجد المشقة فالأفضل الصيام وعلى هذا تتفق جميع الأحاديث وتتآلف . والمقصود الذي أريد إثباته هنا أنه لا يدخل في قوله ((ليس من البر الصوم في السفر)) إلا من كان كحالة هذا الرجل الذي شق عليه الصوم وأما من لم يشق عليه الصوم فلا يدخل ، لأن صورة السبب هي المؤثرة في الحكم
تحرير القواعد ومجمع الفرائد · الصفحة ١٧٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
تحرير القواعد ومجمع الفرائدص ١٧٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي