ومن الوقائع أيضاً أن عمر - رضي الله عنه - رد خبر أبي موسى لما حدثه بحديث أن الاستئذان ثلاثاً فإن أجابك وإلا فارجع ، فقال له عمر : " والله لتأتيني على هذا ببرهان أو لأفعلن بك " ، قال : فأتانا ونحن رفقة من الأنصار فقال : يا معشر الأنصار ألستم أعلم الناس بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألم يقل كذا وكذا ، قال : فجعل القوم يمازحونه ، قال أبو سعيد : فرفعت رأسي فقلت : فما أصابك في هذا اليوم من العقوبة من شيء فأنا شريكك ، قال: فأتى عمر فأخبره بذلك ، فقال عمر : ما كنت علمت بهذا " أخرجاه في الصحيحين . فلو كان خبر الواحد يقبل لما فعل عمر ذلك ، أعني لما طلب عمر مع أبي موسى من يشهد له بذلك .
ومنها : أن عائشة رضي الله عنها ردت خبر تعذيب الميت ببكاء أهله وقد رواه ابن عمر مرفوعاً (( الميت يعذب ببكاء أهله عليه )) فقالت عائشة : يرحمه الله لم يكذب ولكنه وهم ، إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجلٍ مات يهودياً : (( إن الميت ليعذب ، وإن أهله ليبكون عليه )) ، فهذه الوقائع مثبتة لأمرين :
الأول : أن دعوى الإجماع التي ذكرتموها منقوضة بهذه الصور ، فكيف تدعون الإجماع في المسألة .
الثاني : أن هذه الصور دليل على أن خبر الواحد بمجرده لا يقبل ما لم يتأيد بغيره من نصٍ أو إجماعٍ أو تلقٍ له بالقبول ، أما هو بمجرده فلا يقبل والوقائع السابقة نصوص صريحة صحيحة في هذا – أي في رد خبر الواحد – وقالوا :
قال الله تعالى : ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ ﴾ وقال : ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ ﴾
فقد ذم الله تعالى وعاب الذين يتبعون الظنون ويتركون المحكم المتيقن ، وخبر الواحد بمجرده إنما يفيد الظن فالمتبع له إنما هو متبع للظن وهو مذموم فدل ذلك على عدم جواز التعبد به – كذا قالوا – وهذه مجمل أدلتهم .