ونقول : لا يزال المسلمون يلمسون نساءهم بشهوةٍ وبغير شهوة وهذا مما تعم به البلوى ومع ذلك لم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - كلمة واحدة أنه أمر بالوضوء من مس النساء ، فلو كان ذلك ناقضاً للوضوء لبينه ، كما بين غيره من النواقض بياناً شافياً كافياً لاسيما ومع شدة الحاجة له وكثرة الوقوع فيه ، فلما لم يثبت عنه في ذلك شيء لا من قوله ولا من فعله ولا من إقراره دل على أنه ليس بشيءٍ ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، وهذا القول هو الصحيح الذي تدل عليه هذه الأدلة وتؤيده هذه القاعدة ، وأما الآية فإنها تحمل على القراءة الأخرى ﴿ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ وهو الجماع وهو تفسير حبر الأمة وترجمان القرآن ، وهو الذي تؤيده الأدلة السابقة .
والمهم أن تعرف كيف تخرج هذا الفرع على القاعدة ، وهو أن يقال : إن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً لعدم الدليل ، إذ لو كان ناقضاً لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - وخصوصاً مع شدة حاجة الناس لبيانه لكثرة الوقوع فيه ، فلما لم يبينه دل على أنه ليس بناقضٍ ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، والله أعلم .
ومنها : بعض الناس في الحج يرى وجوب غسل حصى الجمار ، أو استحباب ذلك . فنقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لقط حصى الجمار ورمى بها في يوم العيد وثلاثة أيام بعده ولم يثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه غسلها أو أمر بذلك أو أقر عليه ، فغسلها لو كان مشروعاً لبينه ، فلما لم يبينه في وقت الحاجة لبيانه دل على أنه غير مشروع ، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، والله أعلم.