وقاعدتنا هذه إنما تخص المسألة الأولى لا الثانية ، لأن الأولى هي التي تشتد الحاجة لمعرفتها لكثرة الفروع عليها ، أما الثانية فنشير إليها مجرد إشارة مع بعض أدلتها في آخر الكلام على هذه القاعدة إن شاء الله تعالى ، وأما ما أريد بحثه والإطالة فيه هو المسألة الأولى وهي قولنا : هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أو لا ؟
فأقول : اعلم رحمك الله تعالى أن العلماء قد اتفقوا جميعاً على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، والمراد بوقت الحاجة : أي وقت الحاجة إلى العمل بالخطاب المجمل ، فإذا خاطبنا الله تعالى بخطاب مجمل وهو خطاب مثلاً يأمرنا بفعلٍ في وقت من الأوقات ، ولكن هذا الخطاب مجمل في الصفة أو المقدار فإنه لابد إذا جاء الوقت الذي أمرنا بإيقاع مقتضى الخطاب فيه لابد أن يأتي البيان لهذا المجمل ، ولا يمكن أبداً أن يتأخر عن وقت الحاجة ، وهذا بالاتفاق ولله الحمد ، وقد حكى الاتفاق على ذلك جمع من العلماء كابن قدامة والشيرازي في اللمم وابن السمعاني والباجي والغزالي وغيرهم ، والاتفاق هنا خاص بالوقوع الشرعي فإنهم اتفقوا على أنه لم يقع في الشرع ذلك ، أي لم يؤخر بيان في وقت الحاجة إليه .
أما الجواز العقلي أي : هل يجوز ذلك عقلاً ؟ فهنا وقع الخلاف ، لكن لا عبرة بالعقل مع الشرع ولا خير فيه إذا لم يكن مستنيراً بنوره ، ونحن نبحث هنا في الجواز الشرعي لا الجواز العقلي ، ونبهت على ذلك خشية أن يرى أحد خلاف العلماء في الجواز العقلي فيقول : كيف تدعون الإجماع في هذه المسألة وقد ثبت الخلاف فيها ، فالجواب أن الاتفاق الذي ذكرناه إنما هو في الوقوع الشرعي لا في الجواز العقلي .
وقد استدل العلماء على ما اتفقوا عليه بأدلة نقلية وعقلية :