وعلى كل حالٍ فالحجة إنما هي فيما صحت نسبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عبرة بكونه متواتراً أو آحاداً بل هذه التقاسيم لم تكن معروفة في العهد النبوي ، بل كان الناس يقبلون من يحدثهم بالحديث أيَّاً كان ولا يردون خبره لكونه آحاداً وإنما هذا التقسيم اشتهر الكلام به عند المبتدعة وتلقفه منهم بعض أهل السنة من غير تمحيص ولا فهم لما وراءه ، فالزم الحق واحمد الله على السلامة فإنها لا يعدلها شيء ، إذا علمت هذا فاعلم أن هذه القاعدة لها أدلة كثيرة جداً نذكر بعضها على وجه الاختصار .
فمن ذلك : قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ فأوجب الله علينا التثبت من خبر الفاسق ، فدل ذلك بمفهومه أن العدل يقبل قوله ويعتمد من غير تبين وخبر الآحاد إذا رواه عدل ضابط عن مثله معتمد في ضبطه ونقله فهذا يقبل خبره بمفهوم الآية ، ولو كان خبر العدل أيضاً لا يقبل إلا بعد التبين لما كان للتقييد بالفاسق فائدة ، لكن لما قيد ذلك بالفاسق دل على أن خبر العدل يخالفه في الحكم ، فإذا كان خبر الفاسق موقوفاً على التبين فخبر العدل إذاً يقبل مباشرة وهذا هو منطوق الآية ومفهومها .