أنواعها، ودلالات الألفاظ من منطوق ومفهوم وعام وخاص ومطلق ومقيد وإلى آخر ذَلِكَ، فهذه العلوم لابد أن يكون على علم بها حتى يستنبط الأحكام من أدلتها.
قوله: (عارفاً بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام)، هذا من الشروط عامة، التي يلزم توفرها فيمن يتصدر للفُتيا، ثم أشار إلى بعض هذه الشروط تفصيلاً , فقال: (وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيه)، أي معرفة آيات الأحكام , والمقصود بمعرفتها هو أن يعرف أماكن وجودها وتفسيرها حتى يرجع إليها عندما يحصل له أي إشكال , كذلك معرفة المتأخر منها من المتقدم، والناسخ منها من المنسوخ وليس المقصود حفظها، كذلك الشأن في أحاديث الأحكام لابد أن يعرف أحاديث الأحكام جُمْلَةً، ويعرف أماكن وجودها ويعرف صحتها من ضعفها، ويعرف المتأخر منها من المتقدم، والناسخ منها من المنسوخ.
فيظهر من كلام المصنف هنا أن المفتي لابد أن يكون توافرت فيه شروط الاجتهاد، وهذا هو رأي أكثر العلماء.
مسألة: هل يجوز للمقلد أن يفتي؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
- فذهب بعضهم أن المقلد لا يجوز له أن يُفتي بحال؛ لأن التقليد ليس بعلم؛ ولأن المقلد مأمور بأن يسأل أهل العلم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾، والمقلد ليس بعالمٍ بالحكم؛ فلذلك هو مطلوب منه أن يسأل العالِم به؛ فكيف يُفتي بالتقليد، كذلك المقلد يعرف الحكم ولكنه لا يعرف دليله، وحتى لو عرف دليله من النص مثلاً ربما لا يعرف وجه الدلالة، وإذا عرف وجه الدلالة لا يستطيع أن يدفع الشُّبَه التي قد ترد على هذا الدليل، فلو اعترض عليه معترض بدليل آخر , لم يستطع أن يجيب على هذا الاعتراض، فهذا دليل على عدم تمكنه من الاستدلال وأنه غيرُ عارف برُجحان القول الذي يفتي به.
- ومن العلماء من قال: «لا مانع أن يفتي المقلد إذا عرف الحكم بدليله»، بل إن بعضهم يقول: «من عَرَفَ الحكم بدليله هو عندي ليس بمقلد»، مجرد أن يعرف النص من الآية أو من الحديث يفتي به، ولا يكون عندي مقلداً بل يخرج عن مرتبة التقليد، إما بأن نسميه متبعاً مثلاً أو نقول: هو مجتهد في هذه الجزئية، لكن الغالب أنهم يقولون: هذه مرتبة الإتباع , وهي مرتبة بين التقليد والاجتهاد.
- ومن العلماء من توسَّط وقال: «لا ينبغي أن نشترط في المفتي أن يكون مجتهداً مطلقاً، بل يكفي أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه مثلاً»، يعني مطلعاً على مذهب إمامه اطلاعاً تاماً عارفاً بأدلته قادراً على الاستدلال عليه، قادراً على رد الشُّبَه التي توجه إليه.
- وبعض العلماء قال: «يجوز أن يُفتي المقلد حتى ولو لم يصل إلى مرتبة مجتهد في المذهب؛ لحاجة الناس إلى ذَلِكَ؛ لأنه في هذا العصر قَلَّ من يصل إلى رتبة الاجتهاد المطلق».
والصحيح (إن شاء الله) أن الذي يستطيع أن ينظر في المسألة وفي جميع أدلتها، ويعرف الترجيح والموازنة بين الأقوال؛ يمكنه أن يفتي ويكون مجتهداً في هذه المسألة بخصوصها، وأما الذي لا يصل إلى هذه المرتبة ولكنه يعرف فتوى الإمام الفلاني معرفة صحيحة كاملة، بمعنى أنه قرأها في كتاب أو سمعها سماعاً لا يشُوبه شائبة، فإنه حينئذ له أن ينقل هذه الفتوى، ينقلها إلى المُسترشد أو المستفتي , ولكن لا يتصدر للفتيا ويطلب من الناس أن تستفتيه , وإنما هو ناقل للفتوى فقط، والناقل بمثابة الراوي، الذي يروي حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ ويجوز أن يروي حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الفقيه وغير الفقيه؛ كذلك فتوى العالم يُمكن أن ينقلها الفقيه المجتهد وغير المجتهد.
* هناك شرط مهم من شروط المفتي لم يذكره المصنف لكن ذكره غيره وهو العدالة، والعلماء لم يشترطوا في المجتهد أن يكون عدلاً، ولكنهم اشترطوا في المفتي أن يكون عدلاً؛ لأن المجتهد قد يجتهد لنفسه , حتى وإن كان فاسقاً , ولكن يعمل باجتهاده لنفسه، لكن فتواه لا تقبل ولا يصلُح أن يكون مفتياً إلا من هو عدل، ولعل المصنف أهملها؛ لأن من توافرت فيه هذه الشروط بمعنى أنه كان فقيهاً عارفاً بأصول الفقه وفروعه مُطَّلِعاً على أدلة الكتاب والسنة، عارفاً بالصحيح منها والضعيف قادر على الاستنباط، من وصل إلى هذه المرتبة من علماء المسلمين نرجو (إن