وَأَغْلَظُوا فِي ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُكْرِمَ دِينَهُ فَلْيَعْتَزِلْ مُخَالَطَةَ الشَّيْطَانِ وَمُجَالَسَةَ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ أَلْصَقُ مِنَ الْجَرَبِ».
وَعَنْ أَيُّوبَ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ! أَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ لَا أَزِيدُ أَنْ أَقْرَأَهَا ثُمَّ أَخْرُجُ؟» فَوَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا إِلَّا خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِي»، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ! لَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أَقْرَأَ آيَةً ثُمَّ أَخْرُجُ».
فَقَامَ لِإِزَارِهِ يَشُدُّهُ وَتَهَيَّأَ لِلْقِيَامِ فَأَقْبَلْنَا عَلَى الرَّجُلِ، فَقُلْنَا: «قَدْ عَزَمَ عَلَيْكَ إِلَّا خَرَجْتَ، أَفَيَحِلُّ لَكَ أَنْ تُخْرِجَ رَجُلًا مِنْ بَيْتِهِ؟»، فَخَرَجَ، فَقُلْنَا: «يَا أَبَا بَكْرٍ! مَا عَلَيْكَ لَوْ قَرَأَ آيَةً ثُمَّ خَرَجَ؟»، قَالَ: «إِنِّي وَاللهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّ قَلْبِي يَثْبُتُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مَا بَالَيْتُ أَنْ يَقْرَأَ، وَلَكِنْ خِفْتُ أَنْ يُلْقِي فِي قَلْبِي شَيْئًا أَجْهَدُ فِي إِخْرَاجِهِ مِنْ قَلْبِي فَلَا أَسْتَطِيعُ».
وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: «لَا تُكَلِّمُوا صَاحِبَ بِدْعَةٍ مِنْ جَدَلٍ فَيُورِثَ قُلُوبَكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ».
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ:
وَهِيَ مِنْ فَوَائِدِ تَنْبِيهِ الْحَدِيثِ بِمِثَالِ دَاءِ الْكَلَبِ، وَهِيَ: التَّنْبِيهُ عَلَى السَّبَبِ فِي بُعْدِ صَاحِبِ الْبِدْعَةِ عَنِ التَّوْبَةِ، إِذْ كَانَ مَثَلُ الْمَعَاصِي الْوَاقِعَةِ بِأَعْمَالِ الْعِبَادِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَوِ اعْتِقَادًا، كَمَثَلِ الْأَمْرَاضِ النَّازِلَةِ بِجِسْمِهِ أَوْ رُوحِهِ، فَأَدْوِيَةُ الْأَمْرَاضِ الْبَدَنِيَّةِ مَعْلُومَةٌ، وَأَدْوِيَةُ الْأَمْرَاضِ الْعَمَلِيَّةِ التَّوْبَةُ وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَكَمَا أَنَّ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْبَدَنِيَّةِ مَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّدَاوِي، وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّدَاوِي أَوْ يَعْسُرُ، كَذَلِكَ الْكَلَبُ الَّذِي فِي أَمْرَاضِ الْأَعْمَالِ، فَمِنْهَا مَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّوْبَةُ عَادَةً، وَمِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ.
فَالْمَعَاصِي كُلُّهَا - غَيْرُ الْبِدَعِ - يُمْكِنُ فِيهَا التَّوْبَةُ مِنْ أَعْلَاهَا، وَهِيَ الْكَبَائِرُ - إِلَى أَدْنَاهَا - وَهِيَ اللَّمَمُ - وَالْبِدَعُ أخْبَرْنَا فِيهَا إِخْبَارَيْنِ كِلَاهُمَا يُفِيدُ أَنْ لَا تَوْبَةَ مِنْهَا.
الْإِخْبَارُ الْأَوَّلُ: مَا تَقَدَّمَ فِي ذَمِّ الْبِدَعِ مِنْ أَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا تَوْبَةَ لَهُ، مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ.