تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشَّرِّ ذَكَرَ كُلَّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِأَعْلَى مَا يَحْمِلُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، لِيَبْقَى الْمُؤْمِنُ فِيهَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ خَائِفًا رَاجِيًا، إِذْ جَعَلَ التَّنْبِيهَ بِالطَّرَفَيْنِ الْوَاضِحَيْنِ.

فَإِنَّ الْخَيْرَ عَلَى مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَالشَّرُّ عَلَى مَرَاتِبَ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا ذُكِرَ أَهْلُ الْخَيْرِ الَّذِينَ فِي أَعْلَى الدَّرَجَاتِ خَافَ أَهْلُ الْخَيْرِ الَّذِينَ دُونَهُمْ أَنْ لَا يَلْحَقُوا بِهِمْ، أَوْ رَجَوْا أَنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ، وَإِذَا ذُكِرَ أَهْلُ الشَّرِّ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِ الْمَرَاتِبِ خَافَ أَهْلُ الشَّرِّ الَّذِينَ دُونَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا بِهِمْ، أَوْ رَجَوْا أَنْ لَا يَلْحَقُوا بِهِمْ.

فَمَنْ عَدَا الْفِرَقَ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ الِابْتِدَاعَ الْجُزْئِيَّ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي الْكُلِّيَّاتِ، فِي الذَّمِّ وَالتَّصْرِيحِ بِالْوَعِيدِ بِالنَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ اشْتَرَكُوا فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلذَّمِّ وَالْوَعِيدِ، وَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَوْنِ الْبَعِيدِ، وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ مِنَ الْطَّرَفِ الْمَذْمُومِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنَ الْأَدِلَّةِ لِلْمُجْتَهِدِ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: مَنْ رَوَى فِي تَفْسِيرِ الْفِرَقِ النَّاجِيَةِ هِيَ الْجَمَاعَةُ مُحْتَاجَةٌ إِلَى التَّفْسِيرِ:

إِنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى فِي تَفْسِيرِ الْفِرَقِ النَّاجِيَةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ مُحْتَاجَةٌ إِلَى التَّفْسِيرِ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مَعْنَاهُ بَيِّنًا مِنْ جِهَةِ تَفْسِيرِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى - وَهِيَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (رواه أبو داود، وحسّنه الألباني). فَمَعْنَى لَفْظِ (الْجَمَاعَةِ) مِنْ حَيْثُ الْمُرَادُ بِهِ فِي إِطْلَاقِ الشَّرْعِ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّفْسِيرِ.

فَقَدْ جَاءَ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا الْحَدِيثُ الَّذِي نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهِ، وَمِنْهَا مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - قَالَ: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» (رواه البخاري ومسلم).

وَعَنْ حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه -، قَالَ: قُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟»، قَالَ: «نَعَمْ».

قُلْتُ: «وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟»، قَالَ: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ».

قُلْتُ: «وَمَا دَخَنُهُ؟».

قَالَ: «قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ».

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٨٥