تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فِيهَا التَّرْجِيحُ، أَوْ تَدَّعِي أَنَّ أَصْلَهَا الَّذِي تَرْجِعُ إِلَيْهِ قَطْعِيٌّ والْمُعَارِضَ لَهُ ظَنِّيٌّ فَلَا يَتَعَارَضَانِ.

وَإِنَّمَا كَانَتْ طَرِيقَةُ الصَّحَابَةِ - رضي الله عنهم - ظَاهِرَةٌ فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَمَا وَقَدِ اسْتَقَرَّتْ مَآخِذُ الْخِلَافِ فَمُحَالٌ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (هود: 118). فَتَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - كَيْفَ صَارَ الِاتِّفَاقُ مُحَالًا فِي الْعَادَةِ لِيُصَدِّقَ الْعَقْلُ بِصِحَّةِ مَا أَخْبَرَ اللهُ بِهِ.

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: هَلْ يَدْخُلُ فِي الْفِرَقِ الْهَالِكَةِ الْمُبْتَدِعُ فِي الْجُزَيْئَاتِ كَالْمُبْتَدِعُ فِي الْكُلِّيَّاتِ:

قَالَ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» (رواه أبو داود، وحسّنه الألباني). وَحَتَّمَ ذَلِكَ. وَلَا يُعَدُّ مِنَ الْفِرَقِ إِلَّا الْمُخَالِفَ فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ وَقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، وَلَمْ يَنْتَظِمِ الْحَدِيثُ - عَلَى الْخُصُوصِ - إِلَّا أَهْلَ الْبِدَعِ الْمُخَالِفِينَ لِلْقَوَاعِدِ، وَأَمَّا مَنِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ لَكِنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعْ مَا يَنْقُضُ أَمْرًا كُلِّيًّا، أَوْ يَخْرِمُ أَصْلًا مِنَ الشَّرْعِ عَامًّا، فَلَا دُخُولَ لَهُ فِي النَّصِّ الْمَذْكُورِ، فَيُنْظَرُ فِي حُكْمِهِ: هَلْ يَلْحَقُ بِمَنْ ذُكِرَ أَوْ لَا؟.

وَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ:

إِمَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتِلْكَ الْوَاسِطَةِ بِلَفْظٍ وَلَا مَعْنًى، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِ الْأَدِلَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (رواه مسلم). وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.

وَإِمَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ الْحَدِيثَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ دَلَالَةٌ، فَفِي مَعْنَاهُ مَا يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَبَيَانِ أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ الْوَاضِحَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: طَرَفُ السَّلَامَةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ غَيْرِ دَاخِلَةِ شُبْهَةٍ وَلَا الْمَامِ بِدْعَةٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (رواه أبو داود، وحسّنه الألباني).

وَالثَّانِي: طَرَفُ الْإِغْرَاقِ فِي الْبِدْعَةِ، وَهُوَ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الْبِدْعَةُ كُلِّيَّةً أَوْ تَخْرِمُ أَصْلًا كُلِّيًّا، جَرْيًا عَلَى عَادَةِ اللهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ أَهْلَ الْخَيْرِ وَأَهْلَ

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٨٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٨٤