تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- قَدْ تَتَّبِعُهَا فِي أَعْيَانِهَا.

- وَقَدْ تَتَّبِعُهَا فِي أَشْبَاهِهَا.

فَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْأَوَّلِ (1) قَوْلُهُ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ» الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: «حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ».

وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى الثَّانِي (2) قَوْلُهُ: «فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ: اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «سُبْحَانَ اللهِ! هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: 138) وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». فَإِنَّ اتِّخَاذَ ذَاتِ أَنْوَاطٍ يُشْبِهُ اتِّخَاذَ الْآلِهَةِ مِنْ دُونِ اللهِ، لَا أَنَّهُ هُوَ بِنَفْسِهِ فَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الِاعْتِبَارُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ:

كُفْرُ الْفِرَقِ وَفِسْقُهَا وَنُفُوذُ الْوَعِيدِ أَوْ جَعْلُهُ فِي الْمَشِيئَةِ:

أَخْبَرَ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنَّهَا «كُلَّهَا فِي النَّارِ»، وَهَذَا وَعِيدٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْفِرَقَ قَدِ ارْتَكَبَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً أَوْ ذَنْبًا عَظِيمًا، إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ مَا يُتَوَعَّدُ الشَّرُّ عَلَيْهِ فَخُصُوصِيَّتُهُ كَبِيرَةٌ. إِذْ لَمْ يَقُلْ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ». إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْوَصْفِ الَّذِي افْتَرَقَتْ بِسَبَبِهِ عَنِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ وَعَنْ جَمَاعَتِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْبِدْعَةِ الْمُفَرِّقَةِ.

إِلَّا أَنَّهُ يُنْظَرُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ؛ هَلْ هُوَ أَبَدِيٌّ أَمْ لَا؟ وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ غَيْرُ أَبَدِيٍّ: هَلْ هُوَ نَافِذٌ أَمْ فِي الْمَشِيئَةِ؟ فَيَنْبَنِي عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْبِدَعِ مُخْرِجَةٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوْ لَيْسَتْ مُخْرِجَةً، وَالْخِلَافُ فِي الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُخَالِفِينَ فِي الْعَقَائِدِ مَوْجُودٌ، فَحَيْثُ نَقُولُ بِالتَّكْفِيرِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ: «إِنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ سُبْحَانَهُ».

(1) () أي أن الأمة قَدْ تَتَّبِعُ اليهود والنصارى فِي أَعْيَانِ بِدَعِهم.

(2) () أي أن الأمة قَدْ تَتَّبِعُ اليهود والنصارى فِي أَشْباهِ بِدَعِهم.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٨٠