مُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ (الأعراف: 138) وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (1) (رواه أحمد والترمذي والطبراني، وصححه الألباني).
وَصَارَ حَدِيثُ الْفِرَقِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ صَادِقًا عَلَى أَمْثَالِ الْبِدَعِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَبْتَدِعُ فِي دِينِ اللهِ مِثْلَ تِلْكَ الْبِدَعِ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا بِبِدْعَةٍ لَمْ تَتَقَدَّمْهَا وَاحِدَةٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ (2)، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْبِدْعَةَ الزَّائِدَةَ إِنَّمَا تُعْرَفُ بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْبِدَعِ الْأُخْرَى، وَذَلِكَ لَا يُعْرَفُ، أَوْ لَا يُسَوَّغُ التَّعْرِيفُ بِهِ وَإِنْ عُرِفَ، فَكَذَلِكَ لَا تَتَعَيَّنُ الْبِدْعَةُ الزَّائِدَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِمَا أَخَذَ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ»، فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ! كَفَارِسُ وَالرُّومُ؟»، قَالَ: «وَهَلِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ؟» (رواه البخاري). وَهُوَ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ (3)، إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ضَرْبُ مَثَلٍ، فَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِمَا أَخَذَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِهَا» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَأْخُذُ بِمِثْلِ مَا أَخَذُوا بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الِاتِّبَاعِ لَهُمْ أَعْيَانُ بِدَعِهِمْ، بَلْ:
(1) () (لَمَّا خَرَجَ) أَيْ عَنْ مَكَّةَ. (إِلَى حُنَيْنٍ) مَوْضِعٌ بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ. (يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ): هِيَ اِسْمُ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ يَنُوطُونَ بِهَا سِلَاحَهُمْ أَيْ يُعَلِّقُونَهُ بِهَا وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا فَسَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِثْلَهَا فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ. (سُبْحَانَ اللَّهِ) تَنْزِيهًا وَتَعَجُّبًا. (هَذَا) أي هَذَا الْقَوْلُ مِنْكُمْ. (لَتَرْكَبُنَّ) أي لَتَتَّبِعُنَّ. (سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) السُّنَّةُ الطَّرِيقَةُ حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً، وَالْمُرَادُ هُنَا طَرِيقَةُ أَهْلِ الْهَوَاءِ وَالْبِدَعِ الَّتِي اِبْتَدَعُوهَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ تَغْيِيرِ دِينِهِمْ وَتَحْرِيفِ كِتَابِهِمْ كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ.
وَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وآله وسلم - فَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -.
[انظر: تحفة الأحوذي (6/ 339 - 340)].
(2) () لِإِخبار النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أن الْيَهُودُ افْتَرَقَتِ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ النَّصَارَى افْتَرَقَتِ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وأنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فزادتْ أمته - صلى الله عليه وآله وسلم - عنهم بفِرقة، وَبالتالي تَزِيدُ عنهم بِبِدْعَةٍ.
(3) () أي حديث: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟»، قَالَ: «فَمَنْ؟» (رواه البخاري ومسلم).