تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَقْتٍ آخَرَ، وَإِمَّا أَنْ تَكُوْنَ جُمْلَةُ الْفِرَقِ فِي الْمِلَّتَيْنِ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ فَأُخْبِرَ بِهِ، ثُمَّ حَدَثَتِ الثَّانِيَةُ وَالسَّبْعُونَ فِيهِمَا فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ - صلى الله عليه وآله وسلم -.

وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ بِحَسَبِ التَّعْرِيفِ بِهَا أَوِ الْحُدُوثِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ.

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: التَّوْفِيقُ بَيْنَ رِوَايَاتِ حَدِيثِ الْفِرَقِ:

هَذِهِ الْأُمَّةُ ظَهَرَ أَنَّ فِيهَا فِرْقَةً زَائِدَةً عَلَى الْفِرَقِ الْأُخْرَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَالثِّنْتَانِ وَالسَّبْعُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ الْمُتَوَعَّدِينَ بِالنَّارِ، وَالْوَاحِدَةُ فِي الْجَنَّةِ. فَإِذَا انْقَسَمَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِحَسَبِ هَذَا الِافْتِرَاقِ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ فِي النَّارِ، وَقِسْمٌ فِي الْجَنَّةِ، وَلَمْ يُبَيَّنْ ذَلِكَ فِي فِرَقِ الْيَهُودِ وَلَا فِي فِرَقِ النَّصَارَى، إِذْ لَمْ يُبَيِّنِ الْحَدِيثُ أَنْ لَا تَقْسِيمَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، فَيَبْقَى النَّظَرُ: هَلْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِرْقَةٌ نَاجِيَةٌ أَمْ لَا؟ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ نَظَرَانِ: هَلْ زَادَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِرْقَةً هَالِكَةً: أَمْ لَا؟

وَهَذَا النَّظَرُ - وَإِنْ كَانَ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ فِقْهٌ - وَلَكِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ فِي الْحَدِيثِ.

فَظَاهِرُ النَّقْلِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَابُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا مَنْ آمَنَ بِكِتَابِهِ وَعَمِلَ بِسُنَّتِهِ، كَقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: 16) فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَفْسُقْ، وَقَالَ تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: 27) وَقَالَ تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (الأعراف: 159) وَقَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 66).

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٧٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٧٧