تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَرُوِيَ أَنَّ زَعِيمًا مِنْ زُعَمَاءِ أَهْلِ الْبِدْعَةِ كَانَ يُرِيدُ تَفْضِيلَ عِلْمِ الْكَلَامِ (1) عَلَى الْفِقْهِ، فَكَانَ يَقُولُ: «إِنَّ عِلْمَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، جُمْلَتُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ سَرَاوِيلِ امْرَأَةٍ».

هَذَا كَلَامُ هَؤُلَاءِ الزَّائِغِينَ، قَاتَلَهُمُ اللهُ.

وَأَمَّا الْعَلَامَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ فَقَدْ نَبِّهَ عَلَيْهَا وَأُشِيرَ إِلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفِي ظَنِّي أَنَّ مَنْ تَأَمَّلَهَا فِي كِتَابِ اللهِ وَجَدَهَا مُنَبَّهًا عَلَيْهَا وَمُشَارًا إِلَيْهَا، وَلَوْلَا أَنَّا فَهِمْنَا مِنَ الشَّرْعِ السَّتْرَ عَلَيْهَا لَكَانَ فِي الْكَلَامِ فِي تَعْيِينِهَا مَجَالٌ مُتَّسِعٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ.

فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي تَعْرَّضْنَا لِشَرْحِهِ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ وَاحِدَةً مِنْهَا، لِهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَاللهُ أَعْلَمُ - وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لِتُحْذَرَ مَظَانُّهَا، وَعَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ الْمُحْتَاجَ إِلَيْهِ مِنْهَا، وَهِيَ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ لِيَتَحَرَّاهَا الْمُكَلَّفُ، وَسَكَتَ عَنْ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ، لِأَنَّ ذِكْرَهَا فِي الْجُمْلَةِ يُفِيدُ الْأُمَّةَ

(1) () علم الكلام هو ما أحدثه المتكلمون في أصول الدين من إثبات العقائد بالطرق التي ابتكروها، وأعرضوا بها عما جاء الكتاب والسنة به، وقد تنوعت عبارات السلف في التحذير عن الكلام وأهله لما يُفْضِي إليه من الشبهات والشكوك حتى قال الإمام أحمد: «لا يفلح صاحب كلام أبدًا».

وقال الشافعي: «حكمي في أهل الكلام أن يُضرَبوا بالجريد، والنعال، ويُطَافُ بهم في العشائر والقبائل، ويقال: «هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم الكلام».

وهم مستحقون لما قاله الإمام الشافعي من وجه ليتوبوا إلى الله ويرتدع غيرهم عن اتباع مذهبهم، وإذا نظرنا إليهم من وجه آخر وقد استولت عليهم الحيرة واستحوذ عليهم الشيطان فإننا نرحمهم ونرق لهم ونحمد الله الذي عافانا مما ابتلاهم به.

فلنا فيهم نظران، نظر من جهة الشرع: نؤدبهم ونمنعهم به من نشر مذهبهم، ونظر من جهة القدر نرحمهم ونسأل الله لهم العافية، ونحمد الله الذي عافانا من حالهم.

وأكثر من يخاف عليهم الضلال هم الذين دخلوا في علم الكلام ولم يصلوا إلى غايته.

ووجه ذلك أن من لم يدخل فيه فهو في عافية، ومن وصل إلى غايته فقد تبين له فساده ورجع إلى الكتاب والسنة كما جرى لبعض كبارهم. فيبقى الخطر على من خرج عن الصراط المستقيم ولم يتبين له حقيقة الأمر.

[انظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (4/ 75 - 76)].

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبي · الصفحة ٣٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب كتاب الاعتصام للشاطبيص ٣٧٥