الْمُخْتَلِفِينَ بِوَجْهٍ، فَلَوْ كَانَ الْمُخَالِفُ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ مَعْدُودًا مَنْ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ ـ وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا ـ لَمْ يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ: أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ. وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ مِنْ أوْجُهِ الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعِ بَيْنَ الْخَلْقِ:
أَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَيَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ قَوَاعِدِهِ الْكُلِّيَّةِ:
وَبَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ وَاسِطَةٌ (1) أَدْنَى مِنَ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى وَأَعْلَى مِنَ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ أَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَيَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ قَوَاعِدِهِ الْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّفَرُّقِ شِيَعًا.
فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ تَنْتَظِمُ هَذَا الْقِسْمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ عَنْهُ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنَّ أُمَّتَهُ تَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً (رواه الترمذي، وصحّحه الألباني). وَأَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَتَّبِعُ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهَا شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ (رواه البخاري ومسلم). وَيَشْمَلَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ فِي الْأُمَمِ قَبِلْنَا، وَيُرَشِّحُهُ (2) وَصْفُ أَهْلِ الْبِدَعِ بِالضَّلَالَةِ وَإِيعَادُهُمْ بِالنَّارِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ تَمَامِ الرَّحْمَةِ.
حِرْصُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - عَلَى أُلْفَة أُمَّتِهِ وَهِدَايَتِهَا:
وَلَقَدْ كَانَ - صلى الله عليه وآله وسلم - حَرِيصًا عَلَى أُلْفَتِنَا وَهِدَايَتِنَا، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - ـ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنهم - ـ، فَقَالَ رَسُولُ
(1) () الطرفان هما:
1 - الاختلاف في أصل الدين والنحلة كاليهودية والنصرانية والإسلام.
2 - الاختلاف في الفروع مع الاتفاق في أصل الدين كاختلاف الصحابة - رضي الله عنهم -.
والواسطة: الاختلاف في بعض قواعد الدين الكلية مع الاتفاق في أصل النحلة، كاختلاف الخوارج والمعتزلة والمُرجئة عن الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ أهل السنة والجماعة.
(2) () يُرَشَّحُ: يُقَوِّي ويَدعَم.