وَأَمَّا النَّظَرُ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ، فَإِنَّ الْمَنَاطَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَقَطْ، بَلْ يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ أَوْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي تَحْقِيقِهِ بُلُوغَ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، بَلْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ فَضْلًا عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا سَأَلَ عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ إِذَا فَعَلَهُ الْمُصَلِّي: هَلْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ لَهُ الْعَالِمُ: «إِنْ كَانَ يَسِيرًا فَمُغْتَفَرٌ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَمُبْطِلٌ»، لَمْ يَفْتَقِرْ فِي الْيَسِيرِ إِلَى أَنْ يُحَقِّقَهُ لَهُ الْعَالِمُ (1). بَلِ الْعَاقِلُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ. فَقَدِ انْبَنَى هَاهُنَا الْحُكْمُ ـ وَهُوَ الْبُطْلَانُ أَوْ عَدَمُهُ ـ عَلَى مَا يَقَعُ بِنَفْسٍ
الْعَامِّيُّ، وَلَيْسَ وَاحِدًا مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَا وَقَعَ بِقَلْبِهِ دَلِيلًا عَلَى الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْقِيقُ مَنَاطِ الْحُكْمِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ لَهُ الْمَنَاطُ بِأَيِّ وَجْهٍ تَحَقَّقَ، فَهُوَ الْمَطْلُوبُ فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِدَلِيلِهِ الشَّرْعِيِّ.
وَكَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْفَوْرِ (2) فِي الطَّهَارَةِ، وَفَرَّقْنَا بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ فِي التَّفْرِيقِ الْحَاصِلِ أَثْنَاءَ الطَّهَارَةِ، فَقَدْ يَكْتَفِي الْعَامِّيُّ بِذَلِكَ حَسْبَمَا يَشْهَدُ قَلْبُهُ فِي الْيَسِيرِ أَوِ الْكَثِيرِ، فَتَبْطُلُ طَهَارَتَهُ أَوْ تَصِحُّ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْوَاقِعِ فِي الْقَلْبِ، لِأَنَّهُ نَظَرَ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ.
(1) () افْتَقَرَ إلى الشَّيء: افتقده، احتاج إليه، لم يتوافر لديه.
والمعنى أن الْعَامِّيَّ لا يحتاج إلى الْعَالِمُ فِي التفريق بين الفِعْل الكثير والْيَسِيرِ.
(2) () الموالاة: ويعبر عنها بالفورية، فيُفْتَرَض على المتوضئ أن ينتقل إلى غسل العضو قبل أن يجف الذي قبله، سواء كان مغسولًا أو ممسوحًا، عند اعتدال الزمان (وهو أن يكون في فصل لا يترتب عليه جفاف الماء بحالة غير معتادة) والمكان (أي أن لا يكون في مكان فيه حر أو برد شديدان يجففان الماء) والمزاج (وهو أن لا يكون في طبيعة الشخص ما يوجب تجفيف الماء بسرعة)، فقد صح عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّى وَفِى ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وآله وسلم - أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَالصَّلاَةَ. (رواه أبو داود، وصحّحه الألباني). (اللُمْعَةٌ) الْمَوْضِعُ لَا يُصِيبُهُ الْمَاءُ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ.
[انظر: فقه العبادات على المذهب المالكي (ص: 63)].