فَتَاوَى الْقُلُوبِ وَمَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النُّفُوسُ هَلْ هِيَ مُعْتَبِرَةٌ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؟
اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرَيْنِ:
- نَظَرٍ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ.
- وَنَظَرٍ فِي مَنَاطِهِ (1).
فَأَمَّا النَّظَرُ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ فَإِنَّ الدَّلِيلَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمَا مِنْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ، وَلَا نَفْيُ رَيْبِ الْقَلْبِ، إِلَّا مِنْ جِهَةِ اعْتِقَادِ كَوْنِ الدَّلِيلِ دَلِيلًا أَوْ غَيْرَ دَلِيلٍ. وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَهْلَ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَسْتَحْسِنُونَ الْأَمْرَ بِأَشْيَاءَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، أَوْ يَسْتَقْبِحُونَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ إِلَّا طُمَأْنِينَةَ النَّفْسِ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا زَعَمُوا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
(1) () المَنَاط في اللغة هو ما نِيط به الشيْء، فيقال: نُطْتُ الحبل بالوتد، إذا علقْتُه، وانتاط: تعلق، والأنواط المعاليق. وهذا مَنُوط به: أي مُعَلّق، ومنه ذات أنواط: شجرة كانوا في الجاهلية يعلقون فيها سلاحهم.
ومَنَاطُ الْحُكْمِ عِنْدَ الأصُولِيِّينَ: عِلَّتُهُ وَسَبَبُهُ. يُقال: مناط الحُكْم بتحريم الخَمر هو الإسكار.
فمناط الحكم هو: الوصف الذي أضاف الشرع الحكم إليه وناطه به، ونصبه علامة عليه؛ ففي حرمة السكر كونه خمرًا، وفي قبول الشهادة كون الشاهد عدلًا.
والشرع جاء بتحريم الخمر، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة:90)، فالحكم تحريم الخمر، وتحقيق مناط الحكم: هل هذا الشيء مُسْكِر فيكون خمرًا، أم غير مُسْكِر فلا يكون خمرًا.
والشرع جاء بقبول شهادة العدل، قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (الطلاق:2)، فالحكم هو قبول شهادة العدل، أما تحقيق مناط هذا الحكم فهو: فلانٌ عدْل تُقبل شهادته، فلانٌ ليس بعدل فلا تقبل شهادته.
ومعرفة تحقيق مناط الحكم مهمة في كثير من المسائل الشرعية مثل: مَن هو الأوْلى بالإمامة، ومَن هو الأوْلى بالنكاح، ومَن الذي يتولى ولاية المرأة، إلى غير ذلك من المسائل.