وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ - رضي الله عنه -: «كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وآله وسلم -، فَلَا تَعَبَّدُوهَا (1) فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَدَعْ لِلْآخِرِ مَقَالًا، فَاتَّقُوا اللهَ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، وَخُذُوا بِطَرِيقِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».
وَلِذَلِكَ الْتَزَمَ مَالِكٌ فِي الْعِبَادَاتِ عَدَمَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْمَعَانِي وَإِنْ ظَهَرَتْ لِبَادِي الرَّأْيِ (2)، وُقُوفًا مَعَ مَا فُهِمَ مِنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا مِنَ التَّسْلِيمِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ قِسْمِ الْعَادَاتِ الَّذِي هُوَ جَارٍ عَلَى الْمَعْنَى الْمُنَاسِبِ الظَّاهِرِ لِلْعُقُولِ، فَإِنَّهُ اسْتَرْسَلَ فِيهِ اسْتِرْسَالَ الْمُدِلِّ الْعَرِيقِ فِي فَهْمِ الْمَعَانِي الْمَصْلَحِيَّةِ، نَعَمْ مَعَ مُرَاعَاةِ مَقْصُودِ الشَّارِعِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْهُ وَلَا يُنَاقِضَ أَصْلًا مِنْ أُصُولِهِ. وَغَيْرُ مَالِكٍ أَيْضًا مُوَافِقٌ لَهُ فِي أَنَّ أَصْلَ الْعِبَادَاتِ عَدَمُ مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى، فَالْأَصْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأُمَّةِ.
وَالثَّالِثُ مِنَ الْأُمُورُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ: أَنَّ حَاصِلَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ يَرْجِعُ إِلَى حِفْظِ أَمْرٍ ضَرُورِيٍّ، وَرَفْعِ حَرَجٍ لَازِمٍ فِي الدِّينِ، وَأَيْضًا مَرْجِعُهَا إِلَى حِفْظِ الضَّرُورِيِّ مِنْ بَابِ (مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ)؛ فَهِيَ إذَنْ مِنَ الْوَسَائِلِ لَا مِنَ الْمَقَاصِدِ، وَرُجُوعُهَا إِلَى رَفْعِ الْحَرَجِ رَاجِعٌ إِلَى بَابِ التَّخْفِيفِ لَا إِلَى التَّشْدِيدِ.
أَمَّا رُجُوعُهَا إِلَى ضَرُورِيٍّ فَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَكَذَلِكَ رُجُوعُهَا إِلَى رَفْعِ حَرَجٍ لَازِمٍ، وَهُوَ إِمَّا لَاحِقٌ بِالضَّرُورِيِّ، وَإِمَّا مِنَ الْحَاجِيِّ (3)، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَيْسَ فِيهَا مَا يَرْجِعُ إِلَى التَّقْبِيحِ وَالتَّزْيِينِ الْبَتَّةَ، فَإِنْ جَاءَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ:
(1) () فَلَا تَعَبَّدُوهَا: فَلَا تَتَعَبَّدُوهَا.
(2) () بادي الرَّأي: ظاهر الرأي، من غير تفكُّرٍ ولا رويَّة، لا عمق عنده في التفكير والتصور للأشياء.
(3) () عُرِفَ بالاستقراء والتأمُّل أنَّ مصالح العباد تتعلق بأمور ضرورية أو حاجية أو تحسينية:
فالأولى: هي التي لا قيام لحياة الناس بدونها، وإذا فاتت حَلَّ الفساد وعمَّت الفوضى واختلَّ نظام الحياة، وهذه الضروريات هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
أمَّا الحاجيات: فهي التي يحتاجها الناس لتحقيق اليسر والسعة في عيشهم، إذا فاتتهم لم يختلّ نظام الحياة، ولكن يصيب الناس ضيق وحرج.
وأمَّا التحسييات: فهي التي ترجع إلى محاسن العادات ومكارم الأخلاق، وإذا فاتت خرجت حياة الناس عن النهج القويم السليم الذي تقضي به الفِطَر السليمة والعادات الكريمة.
وأحكام الشريعة كلها تحقق وتحفظ مصالح الناس المتعلقة بالضروريات والحاجيات والتحسينات:
فبالنسبة للضروريات شرَّع للدين - لإقامته وتحقيقه – العبادات، وشرَّع لحفظه الجهاد، وعقوبة المرتد، وزجْر من يفسد على الناس عقيدتهم، والنفس شرَّع لإيجادها النكاح، وشرَّع لحفظها القصاص على من يعتدي عليها، وتحريم إلقاء النفس بالتهلكة، ولزوم دفع الضرر عنها، والعقل شرَّع لحفظه تحريم الخمر وعقوبة شاربها. والنَّسل شرَّع لإيجاده الزواج، وشرَّع لحفظه عقوبة الزنى والقذف، وحرَّم إجهاض المرأة الحامل، والمال شرَّع لتحصيله أنواع المعاملات من بيعٍ وشراءٍ ونحو ذلك، وشرَّع لحفظه حرمة أكل مال الناس بالباطل، أو إتلافه بلا وجهٍ سائغ مشروع، والحجْر على السفيه، وتحريم الربا، وعقوبة السرقة.
وبالنسبة للحاجيَّات شُرِّعت لها الرخَّص عند المشقة، وشرِّع الطلاق للخلاص من حياةٍ زوجية لم تعد تطاق، وشرِّعت الدية في القتل الخطأ على عاقلة القاتل.
وفي التحسينات شُرِّعت الطهارة للبدن والثوب، وستر العورة، وأخذ الزينة عند كل مسجد، والنهي عن بيع الإنسان على بيع أخيه، والنهي عن قتل الأطفال والنساء في الحروب.
[أصول الدعوة، للدكتور عبد الكريم زيدان (ص: 59 - 60)].