فَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ التَّضْمِينَ.
شُبْهَةٌ وَجَوَابُهَا:
لَا يُقَالُ: «إِنَّ هَذَا نَوْعٌ مِنَ الْفَسَادِ وَهُوَ تَضْمِينُ الْبَرِيءِ (1) إِذْ لَعَلَّهُ مَا أَفْسَدَ، وَلَا فَرَّطَ، فَالتَّضْمِينُ مَعَ ذَلِكَ كَانَ نَوْعًا مِنَ الْفَسَادِ».
لِأَنَّا نَقُولُ: إِذَا تَقَابَلَتِ الْمَصْلَحَةُ والْمَضَرَّةُ فَشَأْنُ الْعُقَلَاءِ النَّظَرُ إِلَى التَّفَاوُتِ وَوَقْعُ التَّلَفِ مِنَ الصُّنَّاعِ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبٍ وَلَا تَفْرِيطٍ بَعِيدٌ، وَالْغَالِبُ عِنْدَ فَوَاتِ الْأَمْوَالِ، أَنَّهَا لَا تَسْتَنِدُ إِلَى التَّلَفِ السَّمَاوِيِّ، بَلْ تَرْجِعُ إِلَى صُنْعِ الْعِبَادِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَاشَرَةِ أَوِ التَّفْرِيطِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (رواه ابن ماجه وصحّحه الألباني).
وَتَشْهَدُ لَهُ الْأُصُولُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وآله وسلم - نَهَى عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وَقَالَ: «دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (2) (رواه مسلم).
وَقَالَ - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لاَ تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ» (3) (رواه البخاري).
وَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ، فَتَضْمِينُ الصُّنَّاعِ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ.
(1) () فمثلًا القماش الذي يُعْطيه الإنسان للخياط ليصنعه ثوبًا يعتبر أمانة عند الخياط، فلا ضمان عليه إن لم يفرط، والأمين لا يضمن إن لم يتَعَدَّ؛ لقوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: «لَا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ» (رواه الدارقطني والبيهقي، وحسَّنه الألباني). أما إذا تعدَّى على الأمانة، أو فرَّط في حفظها، فإنه يضمنها إذا تلفت؛ لأنه مُتلفٌ لمالِ غيرِه.
(2) () (حَاضِرٌ) المقيم في البلد. (لِبَادٍ) البادي: القادم من البادية أو القرى. وصورة البيع له أن يَقْدُمَ البادي بسلعة ليبيعها بسعر يومها فيقول له الحاضر: «اتركها عندي لأبيعها لك على التدريج بثمن أغلى»، وقيل معناه لا يصير له سمسارًا في بيع أو شراء.
(3) () (لاَ تَلَقَّوْا السِّلَعَ) لا تستقبلوا جالبي المبيعات. (حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ) يصل بها جالبها إلى سوق البلد.